الجمعة، 24 مايو 2013

عدنان إبراهيم ودعوى تحريف القران (النسخ).. عرض ونقد



بسم الله الرحمن الرحيم 

 استمعت لكامل خطبة د.عدنان إبراهيم حول إنكار النسخ في القران حتى أُدرك رأيه جيداً، وأقطع الطريق على من لا يجد حجة يقابل بها من يرد على د.عدنان إلا أن يقول: (هل استمعت لكلامه كاملاً) ؟
 أكبر ما يؤخذ على د.عدنان في هذه الخطبة هو ادّعاؤه أن القول بوقوع النسخ في القران هو تحريف للكتاب العزيز مع اعترافه بأن هذا القول هو قول معظم أهل السنة!
ولكَ أن تتصور: ما الذي يبقى لهذه الأمة بعد أن يكون معظم أهل السنة على مر قرونهم من لدن فقهائهم وأئمتهم في القرون المفضلة إلى هذا العصر محرفين للقرآن؟!
أفهم من ذلك أنهم إن تجرأوا على تحريف القران فلن يترددوا في تحريف السنة  فضلاً عن تحريف الفقه ومسائل العلم!
 وليته جعل قول الأمة من قبيل الخلاف السائغ -على الأقل- بل قام بحشد الأدلة الصحيحة (غير الصريحة) والأدلة الضعيفة على فساد وبطلان ووقاحة هذا الرأي المخالف له مايجعلك تعتقد أن قائل هذا القول صبي لم يُميز! مع أنه قد يصف -في موضع آخر- بعض القائلين بهذا القول الذي سفهه بالإمامة والتقدم في العلم والنظر حين يستدل بأقوالهم لرأيه!! 

إضافة إلى أنه قد التزم ببعض اللوازم الباطلة التي نشأت عن قوله هذا في الإنكار، وذلك كمثل ردٍّه للأحاديث التي تخالف هذا الرأي ونحو ذلك، ويكون أسهل شيء عليه هو وصف الحديث الذي يخالفه بالكذِب،
حتى ولو كان الحديث في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم، دون اعتبار لإسناده أو موقف أهل الحديث منه، ودون أن ينظر: هل في إسناده مجال لاتهام أحد رجاله بالكذب أم لا! المهم أنه كذب عنده، ثم يصرح بأنه لايدري من يَدُس هذه الأحاديث! ويُبرئ الصحابة من عهدتها ويُحمّل الكذب أيادٍ مجهولة (أشباح) !!
 ولكي أُثبت كلامي السابق سأبدأ بذِكر الاتفاق على أمر النسخ، ثم أذكر تقبيحه للقول  بالنسخ في القران، ثم الأحاديث التي ردها ليستقيم رأيه.
فقد قال الآمدي في الإحكام "اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلاً وعلى وقوعه شرعاً، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني"
الإحكام ص 467 ط. ابن حزم
وقال الباجي :"كافة المسلمين على القول بجواز النسخ، وذهبت طائفة ممن (شذّ) من المبتدعة إلى أن النسخ لايجوز"
وذلك في كتابه إحكام الفصول ص 391.
وقال الشوكاني "لا خلاف في جواز نسخ القران بالقران" إرشاد الفحول ص 627 ط.ابن كثير.
وذكرتُ هذا النقل عن الشوكاني لأن فيه ذكر الاتفاق على نسخ شيء من القران لأن موضوع خطبة عدنان إبراهيم عن النسخ في القران، وإلا فإن للشوكاني نقلاً آخر قوياً جداً في موضوع النسخ بشكل عام -وهو شامل لموضوعنا أيضاً- حيث قال "النسخ جائزٌ عقلاً، واقعٌ سمعاً بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يُروى عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال: إنه جائزٌ غيرُ واقع، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلاً فظيعاً. وأعجبُ من جهله بها حكايةُ من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة،فإنه إنما يُعتد بخلاف المجتهدين لابخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية!"ص609
وأيضاً، فيما يتعلق بنسخ التلاوة في القران : قال البيهقي في السنن (8-211): «آية الرجم حكمها ثابت وتلاوتها منسوخة وهذا مما لا أعلم فيه خلافا" 
لا أريد الإطالة في نقل الاتفاقات فليس الموطن هنا موطن التفصيل في مسألة النسخ، وإنما نريد أن نبين كيف تعاملَ عدنان إبراهيم مع هذا القول؟
هو (يكاد) يعترف في النص الذي سأنقله عنه الان أن أهل السنة مجمعون على وقوع النسخ في القران وإن كان قد لمّح أو صرح بخلافه في موضع آخر.. إلا أنه وبجرأة تكاد تكون منقطعة النظير وصف اتفاقهم هذا بأنه تحريف للقران! هكذا بكل سهولة: أهل السنة متفقون أو يتفق معظمهم على تحريف القران!
حيث ذكر في خطبته بعنوان (لارجم في القران) من الدقيقة (45:07) من قناته على "يوتيوب" ما نصه:
 "الشيعة يدّعون -مُعظم علماء الشيعة- أن التحريف وقع في كتاب الله، لكن -بين قوسين- ومعظم أهل السنة والجماعة من عِند آخرهم يوافقون الشيعة في بعض هذا، ويَدّعون أن التحريف وقع في كتاب الله، خاصة حين يتحدثون عن نسخ التلاوة" 
انتهى كلامه بنصه.
وهذه هي المشكلة أن يصف القول المخالف له بقوله (يدّعون أن التحريف وقع في كتاب الله) و يعضد رأيه بقول الله "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ! ثم يقول ليس بعد كلام الله كلام لاتقول لي لافلان، لا علان، لا الأمة!
إن الاستدلال بهذه الاية هنا لإثبات أن النسخ ينافي حفظ الله للقران هو تسطيح رهيب للمسألة، وهذه الاية يفقهها كل من قال بالنسخ من العلماء ولم يستشكلها أحدٌ منهم، وكلهم أجمعوا إجماعاً قطعيا على أن تحريف القران كُفر، ولم يقل أحد منهم إن النسخ تحريف! بل أثبتوه وقالوا به!
فهل اتضح الخلل المنهجي في تصويره للقضية؟
إذن، انتهينا الان من نقطتين من ثلاثٍ، فأما الثالثة: وهي رد كل ما يعارض ما ذهب إليه دون أي تحقيق علمي، فبيانها كما يلي:
حديث عائشة في صحيح مسلم الذي فيه نسخ التلاوة والحكم لآية التحريم بعشر رضعات. قال ما نصه (عند الدقيقة 51:46 من المقطع) "هذا مما وضع. تقول إيه؟: وُضع في مسلم؟ ماليش علاقة بمسلم بالبخاري، أنا لي علاقة بكتاب الله، روحوا فتشوا ، هذا كتاب الله ما تلعبوا يا أخي.." انتهى.
ومن اللطيف أن النووي حين شرح هذا الحديث -في مسلم (1452) - ، قال "بعضهم زعم أنه موقوف على عائشة، وهذا خطأ فاحش، بل قد ذكره مسلم وغيره من طُرُق صحاح مرفوعاً من رواية عائشة ومن رواية أم الفضل" ثم ذكر أن بعضهم زعم أنه مضطرب فعلق قائلاً :
"وهذا غلط ظاهر، وجسارة على رد السنن بمجرد الهوى، وتوهينٌ لصحيحها لنصرة المذهب" انتهى كلام النووي.
 قلتُ: ماذا سيقول في حق من قال إنه موضوع!
مثال آخر -وهو أكثر جراءة من سابقه- حيث ذَكر أن قوما يثبتون نسخ الحكم في قول الله في آية الصيام "كما كتب على الذين من قبلكم" وأن مِن صيام مَن قبلنا أنه كان يحرم عليهم إتيان نسائهم ليلة الصيام، وأن هذا منسوخ بآية "أُحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" والرفث هنا الجماع.
وردّ هذا النسخ ثم قال ولكن يُشكل عليه بعض الاثار وأشار إشارة سريعة إليها دون تفصيل.
وهذه الاثار هي التي فيها أن إتيان النساء في ليل رمضان كان محرماً على الصحابة أول الأمر،وأن أناساً كانوا يختانون أنفسهم فيعملونه، كما في نفس الاية "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم"
وبكل سهولة وجُرأة قال عن هذه الاثار "قصص يؤلفونها" !
 أريد تفسيراً علمياً لهذا الخبط العشوائي (وهذا أقل ما يقال بعد هذه الجُرأة على السنة)
من روى هذه الاثار؟ ما أسانيدها؟ ما موقف أهل العلم منها؟ كل هذا لايهمه . هي قصص مؤلفة رضيت أم سخطت، قال "لتتفق معهم قضية الناسخ والمنسوخ" 
وبهذا الكلام تشعر أن المفسرين والمحدثين إما لصوص وإما مغفلون صدّقوا هؤلاء اللصوص. فإن هذه الاثار التي يقول عنها "قصص مؤلفة" مروية من طرق متعددة ، ويذكرها أغلب المفسرين عند الاية، وأخرج بعضها البخاري (4508) بل ويعضدها ظاهر القران "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم"
فما هكذا يكون الإنصاف! وهل هذا هو هدي أهل العلم؟!  إن من أكبر الخطأ أن يكون إثبات المرء لإعماله عقله على حساب نسف عقول وجهود الآخرين.

وبهذا نكون قد انتهينا من الجزء الثاني من هذه الانتقادات.. وسننتقل بإذن الله في وقت لاحق إلى الجزء الثالث مع موضوع جديد.

حرر بتاريخ 15- 7 - 1434
alsayed_ahmad@

الخميس، 23 مايو 2013

خذلان الدين من أصحاب السابقة في الخير: وقفة من قصة الثلاثة الذين خُلّفوا !


بسم الله الرحمن الرحيم 
هذه قصة معروفة لكن فيها لفتة مهمة جداً أرجو تأملها جيداً:
تخلّف ثلاثة من خيار الصحابة عن غزوة تبوك، وفي الميزان العسكري لن يؤثر تخلف ثلاثة في جيش عظيم كجيش المسلمين الذي خرج إلى تبوك، خاصة وأن منهم من هو كبير في السن، ومع ذلك هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة وأمر الناس بهجرهم خمسين يوماً.
ومن هؤلاء الثلاثة اثنان من أهل بدر الذين هم من أفضل الصحابة إن لم يكونوا أفضلهم على الإطلاق، ولك أن تتخيل من هو بهذه المنزلة من كِبر السن، والبذل للإسلام، والسابقة بالخير، ثم يهجره النبي ويأمر الناس بهجره خمسين يوما!
ولو قارنّا هذا بحالنا اليوم: لوجدنا أن كثيرا من أهل الخير يكاد يُنزه أناسا من أهل السابقة في العلم أو الدعوة أو البذل عن الخطأ المتعمد الفادح تجاه قضايا الأمة ونصرتها، ولايتصور في نفسه أن من له سابقة في مجال علمي أو دعوي أو جهادي قد يقف موقف خذلان يستحق الذم الشديد عليه (بل والهجر) كما فعل النبي مع هؤلاء الذين هم من خيار الصحابة وقاطعهم المسلمون، حتى نزلت توبتهم.
والفرق بين هؤلاء الصحابة الخيار وبين غيرهم أنهم اعترفوا بذنبهم، وتقصيرهم، وبكوا على خطيئتهم،
حتى أنزل الله في حقهم قرانا يتلى إلى يوم القيامة بقبول  توبتهم
 "وعلى الثلاثة الذين خُلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم
وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا" وكما أن مناَ من يعترف بتقصيره أيضاً ويستغفر الله من ذنبه ، إلا أن من أهل زماننا من لايرى عليه واجباً تجاه قضايا أمته، ومن ثم فلا يعترف بخذلانه ولا بذنبه.
مع أنه ليس فينا من قدم شيئا للإسلام مثل ما قدمه أهل بدر! ثم السؤال: هل مواقفنا في النصرة والخذلان أشد من فِعل الثلاثة أم أخف؟!!!
و بعد كل هذا : فكفى تمجيداً لأناس تمرغوا حتى الثمالة في أوحال الخذلان الواضح البين لقضايا الأمة، مع إصرارهم على ذلك. 
فكيف وقد جمع بعضهم مع الخذلان وعدم الاعتراف بالخطأ: المحادة للقائمين بالحق؟! 

فماذا لو كان هؤلاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟! هل سيكتفي بهجرانهم؟ الله أعلم لكن العمل  سيء جدا.
إن المنزلة عند الله بالثبات والعمل لا بالألقاب وقول الجماهير.


الاضطراب في الاستدلال بالسنة لدى عدنان إبراهيم..(حديث زُر غِباً..أنموذج)



بسم الله الرحمن الرحيم 


وقفتُ على مقطع للدكتور عدنان إبراهيم لا يتجاوز الدقيقة الواحدة، يتحدث فيه عن أهمية أن يكون الإنسان خفيف الظل على مخالطيه ومن يتواصل معهم حتى لا يكرهه الناس، ثم دعّم هذا الكلام بقوله - نصاً- : 
"النبي لما شاف واحد من الصحابة مش حنذكر اسمه؛ يقولك لك ها.. الشيخ بيطعن فيه بعدين، واحد من الصحابة، إيش أعمل له، ثابت عنه.. كل يوم عند النبي بدو ياكل.. رايح جاي رايح جاي.. طالع نازل..أكل أكل، يا أخي شوف غيري .. النبي يعني.. شوف غيري .. كل عند أبو بكر مرة، عند عمر، عند أبو ذر.. عند أي واحد! فالنبي في الأخير قال له - النبي ما قدرش يتحمل يا أخي، كُل يوم أنت ملازمني_ فقال له: يا أبا فلان: زُر غِباً تزدد حبا.. تعال مرة وغيب مرة.." انتهى كلامه في المقطع.
وله كلام في مقطع آخر يُصرّح فيه باسم الصحابي وهو (أبو هريرة) ، وأقول ذلك لئلا يأتي مُشغّب فيقول: هو لم يذكر اسم الصحابي، فالقضية لا تحتاج إلى معادلة معقدة ولا غير معقدة ليُعرَف الصحابي، فأي بحث عن الحديث سيوصلك إلى أن لفظه (يا أبا هِرّ -أو يا أبا هريرة- زُر غبا تزدد حبا)

وزيادة على ما في المقطع من تهجم بغير حق على صاحب من خيار أصحاب رسول الله، إلا أن المقطع -أيضاً- يكشف عن إشكال وخلل منهجي في تعامل د.عدنان مع الروايات، وأُجمِل الإشكالات في أربع نقاط:
1- تصريحه بأن سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة (زر غبا تزدد حبا) هو كثرة تردده لأجل الأكل.
2- ذِكره أن هذا الأثر -بهذا السبب- ثابت.
3- عدم تدقيقه في ثبوت الرواية مع شدة تدقيقه لما يعارض رأيه من أصح الأحاديث.
4- مخالفة منهجه في تضعيف الحديث الصحيح بالروايات المعارضة له.

فأما الإشكال الأول - بل الكارثة الأولى- : فمن أين أتى د.عدنان إبراهيم بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة "زر غبا تزدد حبا" كان بسبب كثرة  تردده على بيته ليأكل؟
بحثتُ في الكُتِب التي أخرجت حديث "زر غبا تزدد حبا" وقلبتُ في الروايات فلم أجد حتى ساعتي هذه رواية واحدة صحيحة ولا ضعيفة فيها أن سبب الحديث موضوع الأكل!!

والسؤال هنا: من أين جاءت هذه الزيادة؟! ممن أخذها د.عدنان ؟! هل اخترعها؟ أم نقلها عن المستشرقين وأذنابهم كأبي رية؟
 إن كان اخترعها فهذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم - ولا يصدر منه ذلك إن شاء الله-
وإن كان نقلها عن المستشرقين أو تلاميذهم كأبي رية - وهذا الذي لا أشك فيه- : فهل صار اليهود والنصارى وأذنابهم مصدقين في ذمهم لأصحاب نبينا؟ ثم أليس لديه أدوات لاختبارالمعلومات والتحقق منها؟!
على كل حال هذا هو السؤال الذي حيرني كثيراً ولازلت أطلب تفسيراً له من محبيه . 

والإشكال الثاني: فإن حديث "زر غبا تزدد حباً" من أصله ضعيف بكل طرقه وجميع رواياته، وإن حسّنه بعض أهل العلم فإن من ضعّفه منهم أجل قدراً وعِلماً.
فقد قال البزار -وهو من أجلّ من تكلم في هذا الحديث- : (لا يُعلم في "زر غبا تزدد حبا" حديث صحيح) 
<كشف الأستار 390/2 ط.الرسالة>
وذكر العُقيلي -وهو من كبار المحدثين- أنه ليس في هذا الباب عن النبي ‏ﷺ شيء يثبت<الضعفاء الكبير للعقيلي 532/2 ت.أحمد معبد>
ورجّح العُقيلي أن الأصح في هذه العبارة "زُر غبا تزدد حباً" أن عبيد بن عمير ذكرها من قول قائل من العرب.
 الضعفاء الكبير <158/3>
وليس انتقادي موجهاً لمن حسن الحديث أو صححه -وإن كنت أرى خطأ ذلك- لكن الانتقاد لمن يزعم أنه ثابت بالقصة المُصطنعة وهي التردد لأجل الأكل!

والإشكال الثالث وهوعدم تدقيقه في ثبوت الرواية مع تشديده فيما يعارض رأيه من أصح الأحاديث فهذا اضطراب منهجي في التعامل مع الرويات.
وحديث (زر غِباً) : بما أنه بهذه المثابة من الضعف،وقد تكلم فيه علماء الحديث سابقاً؛ فأين ذهب التدقيق في الروايات الذي رد به الدكتور كثيراً من أحاديث الصحيحين؟
وهل لو روي بنفس إسناد هذا الحديث شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم في مدح معاوية رضي الله عنه سيتم قبوله منه؟ أم سيرده في وجه صاحبه مع أبشع الألفاظ وأقسى العبارات؟! لا أرجم بالغيب، لكن أترك مجال الإجابة لمن يعرف رده لأصح الأحاديث بأتفه الحجج إن عارضت ما يذهبُ إليه !

والإشكال الرابع وهو أن من عادة الدكتور عدنان أن يُفتش عن كل ما يمكن أن يعارض الأحاديث الصحيحة التي يردها ليدعم رأيه، بينما لم يصنع شيئا من ذلك في هذه الرواية التي يعارضها أكثر من دليل صحيح!

فالمعروف أن أبا هريرة لازم النبي ‏ﷺ لأجل الحديث، وقد شهد له بذلك فقال "ماكنت أظن أن يسألني هذا السؤال أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث".كما في صحيح البخاري "٩٩"
ثم لماذا يُهمل الرواية الصحيحة في أن أباهريرة كان يخر في المسجد من الجوع، وذلك لانشغاله بملازمة النبي ‏ﷺ عن الصفق بالأسواق؟!
ثم هل كان بيت النبي ‏ﷺ معروفاً بأنواع الطعام الشهي حتى يُسيل لعاب أبي هريرة بزعم عدنان إبراهيم ؟ أم أنه عُرف بعكس ذلك؟

وأيضاً هل كان النبي ‏ﷺ ينزعج من أبي هريرة أم كان يفتقده حتى وهو جُنُب، كما في الحديث الصحيح "أين كنت يا أباهر" قال "كنت جنبا فكرهت أن أجالسك" فقال "المؤمن لاينجس" ؟!!
ثم إني لا أعرف من سيرة النبي ‏ﷺ أنه كان ينزعج ممن يطلبه شيئاً من المال، فهل سينزعج من صاحبه الملازم له بسبب الأكل؟
ثم إن في تصويره لأبي هريرة بهذه الصورة الدنيئة مخالفةً صريحة لدعاء النبي‏ ﷺ له بقوله "اللهم حببه إلى عبادك المؤمنين" كما في صحيح مسلم 2491
فالنبي ‏ﷺ يدعو الله بأن يُحبب عبده أباهريرة لعباده المؤمنين، و عدنان إبراهيم يُصور أبا هريرة بصورة المزعج للنبي بسبب بحثه عن الأكل في بيته!


اللهم إنا نحب أبا هريرة ونشهد أنه كان أمينا على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم,

حرر بتاريخ 13-7-1434 هـ 
وتمت التعديل فيه والزيادة عليه في تاريخ
17 - 10 - 1435 هـ
alsayed_ahmad@

الخميس، 14 مارس 2013

الإجابة عن الاعتراضات المثارة حول عقوبة الردة في الإسلام

"الإجابة عن الاعتراضات المثارة حول عقوبة الردة في الإسلام"
حين يُجمِع علماء المسلمين على مر قرون العلم ومن مختلف المذاهب وفي عصور حُكمية وسياسية متنوعة -كما سأثبت هذا الإجماع علميا بإذن الله- على أن الردة عن الإسلام جريمة يعاقب عليها القانون الإسلامي  تنبعث بعض التساؤلات تُجاه هذا الموقف منهم!
هل يا تُرى خفي عليهم -جميعاً- قول الله تعالى: ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾[البقرة:256]؟
هل اجتمع فيهم غياب الفقه الصحيح للقرآن والسنة؟
أم أنهم  أُكرِهوا جميعا من قِبَل أصحاب السلطة في وقتهم على اختراع هذا القول؟
هل غاب عنهم سماحة الإسلام وسعته؟
أو يكون مخالفوهم ممن لا يرون تجريم الردة والعقوبة عليها هم الذين خفيت عليهم باقي الأدلة الشرعية التي تشرح وتبين معنى قول الله ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾؟
هل إحداث القول بإنكار عقوبة المرتد في الشريعة كان نتيجة للضغط الهائل من القِيم الغربية المدنية التي ضُخَّت في مجتمعاتنا الإسلامية خلال قرن ونصف من الزمان؟! 
أم أن الإنكار حدث حين تم النظر في النصوص الشرعية بطريقة سليمة؟!
لنضع هذه المسألة على طاولة الحوار العلمي الشرعي .
حين تقرأ قول الكاساني من فقهاء الحنفية: «العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله، أجمعت الصحابةy على قتلهم»بدائع الصنائع للكاساني/كتاب السير/بيان أحكام المرتدين.
ثم تُعرِّج على النووي -من فقهاء الشافعية- إذ يقول عن حديث أبي موسىt، الذي أخرجه مسلم في صحيحه في قتل المرتد: «فيه وجوب قتل المرتد وقد أجمعوا على قتله»المنهاج( 12/207 ط. المعرفة).
ثم تصغي إلى نقل ابن عبدالبر الأندلسي-من فقهاء المالكية- عن الأمة قائلا: «من ارتد عن دينه حل دمه وضُربت عنقه والأمة مجتمعة على ذلك وإنما اختلفوا في استتابته»التمهيد لابن عبد البر (13/88 ط الفاروق).
ثم يشاركهم فقيه الحنابلة في الشام ابن قدامة المقدسي قائلا: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين»المغني (12/264 ط.عالم الكتب). 
تلاحظ أن هؤلاء وهم من أشهر فقهاء المذاهب الأربعة كل واحد منهم ينقل إجماع العلماء على تجريم الردة وعقوبتها..
والمراد من نقل هذه الإجماعات شيء مهم جدا، وهو أن الاستشكالات الذهنية التي تواجه بعض المعاصرين في الجمع بين هذا الحكم وبين أصول الشريعة إنما هي في الحقيقة استشكالات وهمية... فإنها لو كانت استشكالات علمية محضة متعلقة بالأدلة الشرعية = لما ظلت خفية مدة اثني عشر قرناً !!
والعجيب أن تجد من يتجاوز مرحلة مخالفة إجماع علماء المسلمين إلى أن يصل إلى تجريم هذا القول الذي اتفقوا عليه !!ولأني مهتم -هنا- بنقاش الإشكالات المطروحة حول عقوبة المرتد، وبتأصيل المسألة؛ فسأركز على النواحي العلمية والدوافع الباعثة على الإنكار، ولست حريصا على ذكر الأسماء، وإن كنت سأنقل تغريدة لأحدهم، وهو دكتور مهتم بقضايا الفِكر حيث كتب على حسابه في تويتر معبّراً عن أسفه لوجود مثل هذا القول في التاريخ الفقهي، قائلا: «ليس حد الردة سوى مصيبة من المصائب الفقهية في تاريخنا التي قاد إليها نبذ القرآن وراء الظهور، وجعل الشريعة خادمة للدولة، بدل العكس المفترض» نشر ذلك على حسابه في تويتر بتاريخ 2 أكتوبر2012.
وهذا الاتهام -غير المقبول- لعلماء الإسلام (الذين أجمعوا على هذا الحكم) بنبذ القرآن وراء الظهور، وبتطويعهم الشريعة للدول الحاكمة: هو نتيجة متوقعة وصل إليها غير قليل ممن يُنكر الأحكام الشرعية التي هي محل إجماع أهل السنة.
إن من أكبر مصادر الإشكالات التي سببت إنكار المحكمات الشرعية هو التهوين من شأن السنة، والظن بأنها قاصرة عن الاستقلال بتشريع بعض الأصول من الأحكام الشرعية مما لم يُذكر في القرآن!  فتجد كثيرا ممن ينكر عقوبة المرتد ينكر عقوبة الرجم كذلك، ويضيف بعضهم إنكار نزول عيسى بن مريم عليه السلام أو خروج الدجال، وجميعها -عندهم- مما لم يُذكَر في القرآن..
برأيك -أيها القارئ الكريم- ماذا لو أحسن كثير من منكري هذا الحكم الظنَّ بإجماع  علماء المسلمين؟ وبنقلَة الأخبار ممن ثبتت عدالتهم وثقتهم من الذين نقلوا عن النبيﷺحكم قتل المرتد؟
قل لي ماذا لو اجتهدوا في التأمل في حِكمة تشريع هذا الحُكم ومدى اتساقه مع أصول الشريعة الإسلامية والنظر إلى تصور الفقهاء تجاهه؟ 
ألا يؤدي هذا -على الأقل- لأن يكون نَفَسُهم في الخلاف أهون مما هو عليه من اتهام القائلين به بقصور النظر في القرآن أو في الشريعة أو اتهامهم بتطويع الشريعة لأهواء الحكام؟!!
وقد يقوم أحدهم بتشكيل صورة ذهنية -غير صحيحة- لعقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية ثم يستبشعها فيرد أصل الحكم، بينما لو تم تصور هذا الحكم بشكل صحيح كما هو في تصور فقهاء الإسلام لَزالت عدد من الإشكالات في هذا..
جمهور الفقهاء يرون أن المرتد قبل أن تُقام عليه العقوبة فإنه يُمهَل وتعرض عليه التوبة لعله يُراجع، وأنه ليس لأي أحد سواء أكان سلطانا أو غيره استغلال هذا الحكم لإفناء من شاء من عباد الله...بل وصفوا حدود الردة وموجباتها وشروط إقامة العقوبة على من تحققت ردته بعد عرض التوبة عليه. والذي يدخل في الإسلام ويعرف حدوده، وأنه الدين الحق، وأن ما سواه باطل موجب لدخول النار، ثم يتركه ويُصر على تركه حتى بعد أن تُعرَض عليه التوبة والمراجعة فإنه قد كشف عن نفس خبيثة دنيئة تضر ولا تنفع...كما أنه يُجرّئ غيره من ضعاف النفوس وممن لا يقوى إيمانهم على صد الشبهات والشهوات على ترك الدين، وقد يكون فتنة لمن لم يدخل هذا الدين حين يرى من أتباعه من يخرج منه طوعا، بينما إقامة العقوبة الشرعية في هذا لها آثار إيجابية عامة كما في سائر الحدود الشرعية..
ربما نحتاج الآن للانتقال إلى أبرز الاعتراضات التي يطرحها منكرو عقوبة الردة في الشريعة الإسلامية..
§                الاعتراض الأول:
إن أول ما ينادي به منكرو عقوبة الردة: هو قول الله تعالى: ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾[البقرة:256]، ثم يقولون إن الآية تتعارض تماما مع قتل المرتد الذي إنما ثبت في السنة. وبناء على ذلك يقولون: "نُقدم القرآن على السنة". وقد سمعت أحدهم في قناة تلفزيونية وهو من أشهر من قال بإنكار عقوبة الردة بدعوى الحرية في الشريعة يقول: "خاصة وأنه -أي قتل المرتد- لم يرد إلا في حديث واحد" مع أنه ثابت في ثلاثة أحاديث في البخاري!!
حسناً.. دعونا نتأمل في هذا سويا..
إذا كان إنكار عقوبة المرتد مبنيا على أخذٍ بظاهر آية من القرآن -دون النظر إلى مجموع الأدلة-؛ فإن هناك -أيضا- آية في كتاب الله Uيتعارض ظاهرها مع فهمهم لآية: ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾، وهي قول اللهY: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾[الفتح:16]، بل ما قد يصدم الكثير أن من أشهر الأقوال في تفسير ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أن المراد بذلك المرتدين من بني حنيفة وأن المخلّفين عن صُلح الحديبية سيُدعون إلى قتالهم؛ فعلى هذا القول يكون دليل قتل المرتد موجودا في القرآن!
فيُقال لهم: على فهمكم لآية ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾: ما قولكم في قول الله ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾؟
لأن حقيقة إنكارهم لعقوبة الردة ليس لأنها القتل، وإنما لتعارضها مع مفهوم الحرية الذي ينسبونه للشريعة، والدليل على ذلك أنهم لا ينادون بعقوبةٍ أقلَّ من القتل في حق المرتد، وإنما ينادون بأن الشريعة قد كفلت حق ردته وأنه لا يُتعرض له بأي شيء بسبب هذا الاختيار!!
أما قول الله تعالى ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾، فإن أهل العلم اختلفوا في تفسيره على أقوال شهيرة لا تكاد تقرأ كتابا من كتب التفسير إلا تجدها..
وهذه نماذج من كلام كبار المفسرين تُثبت استقرار الخلاف لديهم في تفسير هذه الآية:
-قال الطبري في جامعه عند تفسير الآية «القول في تأويل قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}..اختلف أهل التأويل في معنى ذلك»تفسير الطبري 4/546 عالم الكتب.
-وقال القرطبي في جامعه أيضا عند تفسير هذه الآية: «اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال»(4/280 ط.الرسالة).
-وقال ابن كثير في تفسيره عندما بلغ هذه الآية: «وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب .. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال»(1/687 ط. طيبة).
-والشوكاني في الفتح وابن عاشور وغيرهما يذكرون الخلاف في تفسير هذه الآية.
فهل الخلاف هنا غير معتبر؟!
وهذه الآية: ﴿لَا إِكَرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾، عند كثير من المفسرين وأهل العلم محمولة على أخذ الجزية من الكفار وعدم إكراههم على الدخول في الدين إن بذلوها. وهل تشمل كل الكفار أم هي خاصة بأهل الكتاب؟ على قولين مشهورين لأهل العلم فيها. وأيضا، فإن القول بنسخها كذلك منهج مطروق لأهل العلم.
قال الشوكاني: «وقد ذهب إلى هذا -أي نسخ الآية- كثير من المفسرين «فتح القدير (1/470 ط.الوفاء).
ولك أن تقرأ قول إمام المفسرين ابن جرير الطبري فله دلالات مهمة في المسألة، حيث يقول في تفسيره: «المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهمﷺ أنه أَكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره على دينه الباطل وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم كان بينا بذلك أن معنى قوله {لَا إِكَرَاهَ فِي الدِّينِ} إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام» تفسير الطبري (4/554 ط. عالم الكتب).
§                الاعتراض الثاني: 
وأما الاستدلال بقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[الكهف:29] على الحرية المطلقة في اختيار الدين وتغييره فهذا غريب جدا...وإكمال الآية يبين أنها للتهديد وليست للتخيير، بل من العجيب أن بعض الأصوليين في باب الأمر يُمثل بهذه الآية على ما كان بصورة الأمر (فليؤمن، فليكفر) والمراد به التهديد.
§                الاعتراض الثالث:
تضعيف أحاديث قتل المرتد!
الرسولﷺ إذا صدر منه خبر أو أمر أو نهي فإن تصديقه وطاعته من طاعة اللهU وتصديقه. ولا تضارب بين أقوال رسول الله وبين ما جاء في كتاب اللهU. والذين سلكوا مسلك رد أحاديث قتل المرتد من جهة الإسناد تجدهم في الغالب يتحدثون عن عكرمة وهو الذي روى عن ابن عباس حديث (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ).
وقد تقدم معنا قول أحد مشاهير منكري قتل المرتد حين يذكر أنه ليس هناك سوى حديث واحد في قتل المرتد ويعني به حديث عكرمة عن ابن عباس (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)، فإسقاطه يعني انتفاء وجود أي حديث يثبت هذا الحكم. بينما قد ثبت في البخاري وجود حديثين فيهما هذا الحكم سوى حديث عكرمة عن ابن عباس:
 -الحديث الأول: وهو أن معاذا حين بعثه النبيﷺ إلى اليمن فقدم على أبي موسى، وإذا (رجل عِنْدَهُ مُوثَق، فَقَالَ "مَا هَذَا؟"، قَالَ "رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَتَهَوَّد". قَالَ -أي معاذ-  "لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ". قَالَ  "اجْلِسْ نَعَمْ"، قَالَ "لَا أجلِسُ حتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ)رقمه في البخاري/6923 وفي مسلم/1733. وليس فيه عكرمة وإنما أخرجاه من طريق يحيى، عن قُرّة بن خالد، عن حُميد، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
وأما حديث ابن عباسt الذي رواه عكرمةt عنه عن النبيﷺ، وهو (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)والذي أخرجه البخاري برقم 6922، فإن البخاري لم ينفرد بتصحيح الحديث بل صححه غير واحد من كبار المحدثين معه.
فـالترمذي أخرج الحديث برقم 1458 من طريق عكرمةt أيضاً وقال: «حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد».
والدارقطني -وهو من أبرز محدثي الإسلام- أخرج الحديث في سننه من طريق عكرمةt أيضا وقال: «هذا ثابت صحيح»رقمه (3143 ط.المعرفة).
وأما بالنسبة لعكرمة مولى ابن عباس فقد تعقّب كلٌّ من الطبري ومحمد بن نصر وابن منده وابن حبان وابن عبد البر من تكلم في عكرمةt وصنفوا (ألّفوا) في الذب عنه. ذكره ابن حجر في الهدي. ولخص ابن حجر، في نفس الموضع من هدي الساري، التهم الموجهة إلى عكرمةt وفنّدها تفنيداً علميا متيناً ولم يترك طعنا إلا وأتى به ثم أجاب عنه .
وأما ما ورد في الثناء عليه وتوثيقه فهو كثير جدا يطول المقام بنقله كله أو حتى أكثره، فعلى سبيل المثال:
· قال البخاري: «ليس أحد من أصحابنا إلا احتج بعكرمة»هدي الساري(1144 ط.طيبة).
· وقال محمد بن نصر: «أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا»الهدي(1144 ط.طيبة).
· وقال ابن منده: «أما حال عكرمة في نفسه فقد عدّله أمّة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين»هدي الساري(1145 ط.طيبة).
· وقال إسحاق: «عكرمة عندنا إمام أهل الدنيا!»(الهدي 1144). وقد تعجب إسحاق بن راهويه وابن معين من سؤال من سألهما عن الاحتجاج بحديث عكرمة!
-الحديث الثاني سوى الذي فيه عكرمةt: هو حديث ابن مسعودt عن النبيﷺقال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)أخرجه البخاري/6878 ومسلم/1676 من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود .
§                الاعتراض الرابع: 
وللمنكرين اعتراض على كلمة (التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)، حيث قالوا "إن معنى مفارقة الجماعة: الخروج عليها"، فقيدوا بها (التَّارِكُ لِدِينِهِ) واستدلوا بروايةٍ لعائشةtٰ في هذا  الحديث بلفظ "أَوْ رَجُلٍ خَرَجَ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ".
وسنبدأ بالحديث عن رواية عائشةtٰ ثم نتطرق للحديث عن كلمة (الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ).
عائشةtٰ روي عنها هذا الحديث من وجهين:
1/الوجه الأول: أخرجه أبو داود/4353 من طريق إبراهيم بن طهمان عن عبدالعزيز بن رُفيع عن عبيد بن عمير عن عائشةtٰ مرفوعا بلفظ: (لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلَّا فِي إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٍ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدَا، وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْضِ). وقد أعَلَّ بعض المحدثين هذه الرواية بأن إبراهيم بن طهمان تفرد بهذا اللفظ عن سائر من روى حديث (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ). وقد أرسلت للشيخ المحدث سليمان العلوان أسأله عن هذه الرواية فأجاب: «الرواية الواردة في حديث عائشة "خَرجَ مُحَارِبًا" معلولة، وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ، ولعل ابن طهمان رواه بالمعنى، والمحفوظ عن عائشة نحو حديث ابن مسعود«تاريخ السؤال:1 ربيع الأول 1434 هـ .
2/الوجه الثاني المروي عن عائشة: أخرجه الترمذي/4022 من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن غالب عن عائشة مرفوعا بلفظ: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ، رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ فَيُقْتَلُ).
إذن؛ فحديث عائشة روي بلفظين. قال ابن رجب عند شرح حديث (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ)، في جامع العلوم والحكم: «وبكل حال، فحديث عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعا، وروي عنها موقوفا، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته».
وأيضا فإن هذا الحديث قد روي من طريق عثمانt عن النبيﷺ بهذا اللفظ: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ، رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ)، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وغيرهما وإسناده صحيح. وكما تلاحظ فإن رواية عثمانt توافق الوجه الثاني من رواية حديث عائشةtٰ.
والتعامل مع رواية (خَرَجَ مُحَارِبًا) لا يكون من ناحية أصولية (حمل المطلق على المقيد) قبل أن يُتحقق ثبوتها إسناديا.
وأما حديث ابن مسعودt، فالذي ذهب إليه جماعة من العلماء أن كلمة (الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) صفة مبينة لـ (التَّارِكُ لِدِينِهِ) وليست مقيدة لها.. فكل تارك لدينه فهو مفارق لجماعة المسلمين.
-قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة عند حديث (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ) وهو أول حديث في كتاب القصاص من عمدة الأحكام: «"الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" كالتفسير لقوله "التَّارِكُ لِدِينِهِ". والمراد بالجماعة جماعة المسلمين وإنما فارقهم بالردة عن الدين«(2/217ط.عالم الكتب).
-قال ابن حجر في الفتح في شرح الحديث: «فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعا«فتح الباري(16/31 ط.طيبة). ولو أردت نقل كلام أهل العلم في تأييد هذا لطال المقام...
فها هي السنة القولية الصحيحة تثبت قتل المرتد، ثم إن النظر إلى صنيع أهل العلم تُجاه هذه الأحاديث يدل على أنهم فهموها بأن الردة الموجبة للعقوبة هي الردة المجردة وإن لم ينضم إليها قتال أو حرب..
-قال الإمام الشافعي في كتابه الأم: «فلم يختلف المسلمون أنه لا يَحِل أن يُفادى بمرتد بعد إيمانه، ولا يُمنّ عليه، ولا تؤخذ منه فدية، ولا يترك بحال حتى يُسلِم أو يُقتل«الأم 6/169.
-وقال بدر الدين العيني: «وقد أجمع العلماء على قتل الرجل المرتد إذا لم يرجع إلى الإسلام وأصر على الكفر«عمدة القاري شرح صحيح البخاري 34/324.
-قال ابن دقيق العيد في الإحكام(2/217 ط.عالم الكتب): «والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين. وإنما فراقهم بالردة عن الدين، وهو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق الرجل. واختلف الفقهاء في المرأة«.
وقد تقدم ذِكر شيء من الإجماعات في المسألة، ولن أطيل بذكر مزيد من الإجماعات والتي هي كثيرة في هذا الباب..
إن الإجماع الذي يتوارد على نقله جماعة من العلماء في أوقات مختلفة وبلدان متعددة مذاهب متنوعة من أقوى الإجماعات، وهذا ما ترونه في قضيتنا، ومن يقول برأي (الأغلبية) في الديمقراطية -لو اختارت غير الشريعة- مع أن الأغلبية لاتخلو من جهال وفاسدين ثم يعارض (إجماع) علماء الإسلام فهذا تناقض يحتاج إلى تأمل من فاعله!!
§                الاعتراض الخامس:
يقولون "إن قتال الصحابة للمرتدين، إنما كان لأجل بغيهم وعدوانهم".
إن المنقول عن أصحاب رسول اللهﷺ في حروب الردة يدل على أن سبب حربهم للمرتدين هو رجوهم عن الإسلام أو عن بعض شرائعه وليس الحرب أو البغي. وهذا جلي في قول أبي بكرt: (وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاة). واعترض عمرt على قتاله لمن يقول منهم "لا إلٰه إلا الله"، ولم يعترض على قتاله لمسيلمة ومن معه ممن لا يقولها. وهذا دليل على موافقة عمرt ابتداء لقتال المرتدين من أتباع مسيلمة، وإنما استشكل قتال من يقول "لا إلٰه إلا الله" من مانعي الزكاة الذين لم يتبعوا مسيلمة على نبوته الكاذبة؛ فلو كانوا بغاة، فهل سيتشكل عمرt قتالهم لأنهم يقولون "لا إلٰه إلا الله"؟!!
ثم إن عمرt بعد ذلك وافق أبا بكرt في قتال من قال "لا إلٰه إلا الله"وهذه القصة بينهما في صحيحي البخاري/1399ومسلم/20.
§                الاعتراض السادس:
ما نُقل عن عمرt في عدم القول بقتل المرتد بما رواه عنه أنس بن مالك كما سيأتي.
وقبل ذِكر الأثر عنه، فإن رجوع عمرt إلى قول أبي بكرt في قتال المرتدين -كما تقدم- ، وقبل ذلك عدم اعتراضه عليه في قتال المعلنين ردتهم، يدلٌّ على أنه يرى قتال المرتدين، وهذا يُعين على تَفَهُّم ما نُقل عنه في قصة اعتراضه على المسارعة بقتل المرتدين بعد ذلك في خلافته بقوله -كما رواه أنس- : ("لأن أكون أدركتهم كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"، قال -أي أنس بن مالك-: "قلت له: وَمَا كَانَ سَبِيلُهُمْ لَوْ أَخَذْتهمْ إلَّا الْقَتْلَ؟"، قال: "كُنْت أَعْرِضُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا اسْتَوْدَعْتهمْ السِّجْنَ")، فإن هذه القصة مُجملة تُحمل على الاستتابة وليس على نفيه قتل المرتد.
وقبل أن أذكر من كلام أهل العلم ما يُثبت هذا، فأحب أن أسأل من يستدل بهذا الأثر على إسقاط عقوبة الردة: هل ستقوم بمثل ما فعل عمر وترى أن عقوبة المرتد السجن؟ أم أنك تخالف عمرt في أصل تجريمه لقضية الردة وكونها شيئا يُعاقب عليه صاحبه؟!
قال الإمام ابن عبد البررحمه الله معلقا على قصة عمرt: «يعني استودعتهم السجن حتى يتوبوا، فإن لم يتوبوا قتلوا. هذا لا يجوز غيره لقول رسول الله(مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ)«الاستذكار 7/154.
والذي يدل على أن مذهب عمرt قتل المرتد، إضافة إلى قصته السالف ذكرها مع أبي بكرt: الإجماعات التي نقلها أهل العلم وعدم استثنائهم أحدا...بل ونصهم على عمرt من ضمن القائلين بالإجماع كــــابن قدامة في المغني..
إلا ما روي عن ابن حزم حين نقل الإجماع وذكر استثناء بصيغة ضعيفة لم يُوافق عليه فيما أعلم .
§                الاعتراض السابع:
وأما الاعتراض بأن إبراهيم النخعي قال في المرتد "يُستتاب أبدا" فإن معنى هذا الكلام ما قاله ابن حجر في الفتح: «والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة»اهـ..فتح الباري(16/142 ط طيبة).
أي أن من ارتد ثم تاب قُبلت توبته، ثم إن ارتد فتاب قُبلت أيضا، وهكذا.. ، ويؤيد هذا الفهم أنه قد نُقل عن إبراهيم النخعي بإسناد صحيح قوله بقتل المرتدة وهي امرأة. كما علقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه في باب "حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم". وذكر أسانيد هذا التعليق، ابن حجر في الفتح.
§                الاعتراض الثامن: 
وبعض المنكرين يعترض بأن قتل المرتد لم يُذكر في القرآن مع أن اللهY ذكر الردة كثيرا في كتابه، فيُقال لهم: إن النبيﷺ قد ذكر قتل المرتد صريحا، وهذا كاف، فإن السنة حجة، مع العلم بأن عقوبة شارب الخمر لم ترد في القرآن مع ورود تحريم الخمر فيه، وإنما وردت في السنة.
§                الاعتراض التاسع:
ويعترض بعض المنكرين بأن النبيﷺ قد ترك المنافقين مع صدور كلام الكفر منهم، فيُقال:
 أولا: الله ذكر في كتابه أن المنافقين يأتون للنبيﷺ يحلفون له بأنهم لم يقولوا كلمة الكفر، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يتمتعون بالحرية بمفهومها الذي يريده المنكرون، إذ لو كان لديهم حرية في قول الكفر لما جاؤوا خائفين يحلفون ويتبرؤون.
ثانيا: النبيﷺ لم يكن ليقيم الحد بدون بينة، والمنافقون كانوا يُبطنون كفرهم ويلمزون خفية، وإذا جيء بهم فحلفوا أو أظهروا التوبة فإن النبيﷺ يتركهم. قال الشافعي في الأم:  «وَقَدْ آمَنَ بَعْضُ النَّاسِ ثم ارْتَدَّ ثم أَظهرَ الْإِيمانَ فَلمْ يَقْتُلْهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ وَقَتَلَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ الْإِيمانَ».
ثالثا: امتنع النبيﷺ عن قتل بعض رؤوس النفاق في وقته لعلة ذكرها، وهي (لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) فإن الناس يأخذون بالظاهر، وظاهر أحوال المنافق أنه من أصحاب رسول الله، فإذا قتله الرسولﷺ فإن الناس سيتحدثون أن النبي يقتل أصحابه بعد أن دافعوا عنه وصار في تمكين، وهذا -لو قلنا بأنه بعد تشريع قتل المرتد- فإنه من باب مراعاة المصالح والمفاسد المعتبرة في الشريعة. وعقوبة قتل المرتد لها خصائص تميزها عن باقي العقوبات المقدرة تظهر من الأدلة الشرعية ومن صنيع أهل العلم، منها عرض التوبة على المرتد بعد التمكن منه.
§                الاعتراض العاشر:
ويعترض بعض المنكرين قائلا: "إن عقوبة الردة تولد النفاق في الناس".
وهذا غير دقيق، فإن النفاق الأكبر كان على عهد النبيﷺ، والمنكرون يزعمون أنه في وقت النبيﷺ لم يكن هناك عقوبة للمرتدين ولا تجريم للردة المجردة، إذن؛ فلِم ظهر النفاق؟!! أترك لهم التفكير والإجابة. 
وبعد، فقد سرني  مقال كتبه الباحث: أحمد سالم (أبو فهر) بعنوان عقوبة الردة عقلا، يحسن للمهتم مراجعته على الشبكة.