الأربعاء، 20 أغسطس 2014

المقال الثاني من سلسلة (مرحلة ما قبل الغلو) .

بسم الله الرحمن الرحيم
المقال الثاني من سلسلة (مرحلة ما قبل الغلو)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
فقد ذكرت في المقال السابق الضابط الأول لقاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) وذكرت أن سوء الفهم لهذه القاعدة هو من أكبر ما ولّد الاضطراب والغلو لدى كثير من الشباب في أبواب التكفير، وتقدم معنا أن الضابط الأول لهذه القاعدة هو: أنها ليست شاملة لجميع أنواع الكفار، وبالتالي نحن نحتاج إلى بيان من يدخل فيها من الكفار ممن لا يدخل،
الضابط الثاني: لا بد من فهم أصل هذه القاعدة وتحرير مناط الكفر فيها:
حين يقول أهل العلم (من لم يكفر الكافر فهو كافر) فما مستندهم في ذلك؟ وما دليلهم؟
لقد نصّ غير واحد من العلماء في سياق كلامهم عن هذه القاعدة على مناطٍ[1] يصلح أن يُعلق عليه حكمها، وهو:  (تكذيب خبر الله أو خبر رسوله صلى الله عليه وسلم أو التكذيب بأمر قطعي في الشريعة).
 وبيان كونِ من لم يكفر الكافر = مكذباً لخبر الله أو مخالفا لقطعي في الشريعة كما يلي:
الله -سبحانه وتعالى- قسّم عباده إلى كافرٍ ومؤمن، فقال سبحانه وتعالى ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)  وبيّن في كتابه كُفرَ أفراد بأعيانهم كإبليس وفرعون وقارون، وكُفرَ طوائف كاليهود والنصارى، فمن ردّ هذه الأخبار  وحكم بإيمان من أخبر الله بكفره فقد كذّب خبر الله وجحده، وهذا كفر مُجمَع عليه.
ولذلك؛ تجد أهل العلم قد أجمعوا على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، ثم تجد بعضهم ينص على علة التكفير في ذلك، وهي التكذيب:
v     فقال القاضي عياض رحمه الله في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) بعد أن ذَكر قول من قال بإعذار بعض النصارى: "وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفِّر أحدًا من النصارى واليهود، وكلَّ من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم أو شكَّ. قال القاضي أبو بكر لأنَّ التوقيف والإجماع على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذَّب النصَّ والتوقيفَ، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافرٍ"[2]
v     ويُصرح  البهوتي -أيضاً- رحمه الله ببيان علة الكفر في هذه الصورة فيقول في شرحه لجُمَل من متن الإقناع:
" ( أو لم يكفر من دان) أي تدين (بغير الإسلام كالنصارى)  واليهود (أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم) فهو كافر لأنه مكذب لقوله تعالى " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " [3]
v     وقد نصّ على هذه العلة في سياق الحديث عن قاعدة من لم يكفر الكافر  غير واحد من أهل العلم من المعاصرين كالشيخ ابن سعدي وغيره.
وهذا المناط هو  أضبط ما يُمكن أن تُعلّق عليه قاعدة من لم يُكفر الكافر.

المتوقف في بعض الأعيان المنتسبين للإسلام لشبهة لا يتحقق فيه مناط القاعدة
يُبنى على المناط المذكور أن من توقف في كفر من تلبس بعمل كفري ممن يشهد بالشهادتين لظنه وجود معارض -معتبر- في حقه فإنه لا يكون مكذباً بالنص ولا مخالفا لقطعي من قطعيات الشريعة؛ فلا يكفُر؛  لأننا نعلم يقينا أن الشريعة كما جاءت بوصف شيء من الأقوال أو  الأعمال بالكفر فقد جاءت -أيضاً- بقبول عذر بعض من وقع في الكفر، فجِنس الإعذار  لمن وقع في شيء كفري له أصل من الشرع، ومن ثم فقد يقع الخطأ من الناظر في أحوال من وقع في الكفر من جهة إعذاره أو عدم إعذاره، وليس هذا من مواطن التكفير ، بل من مواطن الاجتهاد تارة، و من مواطن مخالفة الحق -دون الوقوع في الكفر- تارة أخرى .
قال ابن تيمية رحمه الله : " وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:" إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ، ففعلوا به ذلك فقال الله له : ما حملك على ما فعلت . قال خشيتك : فغفر له".
 فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد ، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك, وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك؛ والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا"  مجموع الفتاوى (3\231) .

هل يتحقق المناط في من لم يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله؟
من لم يُكفِّر الحاكم بغير ما أنزل الله هل يكون مكذباً لقول الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" فيكون كافراً؟ لأنكم قررتم أن المناط التكذيب؛ أفلا يكون هذا مكذبا أيضاً؟
الجواب في ذلك بأن يُعلَم أن النصوص التي ورد فيها وصف شيء من الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال بالكفر على ثلاثة أنواع:
النوع الأول:  ما ثبت فيه الإجماع  على أن الكفر  المذكور في نصوصه إنما هو الكفر الأصغر.
النوع الثاني: ما وقع الاختلاف بين أهل العلم في تحديد نوع الكفر الوارد فيه هل هو الكفر الأكبر أم الأصغر، أو وقع الاختلاف بينهم في حقيقة الصورة التي ينطبق عليها وصف الكفر  الوارد في النص إن ترجح أن المراد به الكفر الأكبر.
النوع الثالث: ما ثبت الإجماع (القطعي) على أن الكفر الوارد في نصوصه هو الكفر الأكبر.
أمثلة على النوع الأول:
1- قول النبي صلى الله عليه وسلم قال : "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت" أخرج الإمام مسلم في صحيحه (67) .
2-  قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جرير المتفق عليه (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) أخرجه البخاري (121) ومسلم (65)
3-  حديث ابن مسعود المتفق عليه (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) أخرجه البخاري (7076) ومسلم (64)
4-  قال البخاري (باب كفران العشير، وكفر دون كفر) ثم ساق حديث (أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن) قيل أيكفرن بالله؟ قال (يكفرن العشير..) أخرجه البخاري (29)
فهذا نوع من النصوص فيه إطلاق الكفر على أعمال يُقطَع بأنها ليست مخرجة من الملة.
أمثلة على النوع الثاني :
1- قول الله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر)
2- قول النبي صلى الله عليه وسلم (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) أخرجه مسلم (82)
3- قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) أخرجه البخاري (6104) ومسلم (60)
فهذا النوع من النصوص يختلف العلماء في المراد بالكفر فيه أو يُفصّلون في حالات هذه الأعمال والأقوال.
أمثلة على النوع الثالث:
1- قول الله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
2- قول الله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)
3- قول الله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا)
فالنوعان الأولان من النصوص لا يصح أن يُقال في حق من حمل الكفر الوارد فيها على الكفر الأصغر إنه كافر: إما لأن الإجماع قام على أن المراد هو الكفر الأصغر -كما في النوع الأول- ، وإما لأن الاختلاف وقع بين أهل العلم -المجمع على تقدمهم وفضلهم- في المراد بالكفر فيها -كما في النوع الثاني- وإن كان الراجح في المراد بالكفر في هذا النوع قد يُعلَم بنصوص أخرى -كرجحان الكفر الأكبر في حق تارك الصلاة مطلقاً-
وأما النوع الثالث من النصوص وهو ما كان الإجماع فيها قطعيا يقينيا على أن الكفر فيها هو الكفر الأكبر فإن المخالفة في ذلك كُفرٌ  لأنها مخالفة للأمر المقطوع به شرعاً.
مع التنبيه إلى أنه قد يرد إجماع من العلماء على الحكم بالكفر الأكبر في قضية من القضايا ثم يقع اختلاف فيما بينهم في تنزيل  هذا الحكم على بعض الأعيان ممن ينتسبون إلى الإسلام ويشهدون الشهادتين.
كما في إجماعهم على أن من جحد شيئاً مما أنزل الله فقد كفر  كفراً أكبر مخرجاً من الملة ولكن قد يقع بينهم اختلاف في إعذار بعض من ينتسب إلى الإسلام ممن جحد شيئا من الشرع المقطوع به = لوجود مانع معتبر الأصل في هذا الجاحد.
مثال على عدم تكفير جاحد شيء مقطوع به في الشرع
من يجحد وجوب الصيام -مثلا- لكونه حديث عهد بإسلام لم تتوفر له المدة الكافية لمعرفة وجوبه.. فالجحود لوجوب الصيام كفر مقطوع به، ولكن هذا الجاحد لأجل جهله وعدم توفر الفرصة الكافية لمعرفته ذلك لا يكون حكمه حكم الجاحد لقطعي من قطعيات الشريعة في مجتمع مسلم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله؛ وبالتالي لا يُقال إن من لم يكفره فإنه كافر!  ومثل ذلك ما وقع من قدامة بن مظعون رضي الله عنه حين تأول عدم تحريم الخمر لفهمه الخاطئ لقول الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) فهو ظن أن من كان مؤمنا يعمل الصالحات فإنه لا جناح عليه في تناول الخمر لأن هذه الآية جاءت بعد الآية التي فيها تحريم الخمر. ومع ذلك فإن عمر أقام عليه حد الشرب وجلده ولكن لم يكفره. مع أن إنكار تحريم الخمر كفرٌ لا ريب فيه.. وإنما قلت (بعض) النصوص لأنه ليس كل النصوص التي في النوع الثالث يعذر من تأول تنزيلها على بعض الأعيان.. فلا يصح أن يقال: إن من يعذر النصارى كمن يعذر المنتسب للإسلام ممن جحد شيئا مما أنزله الله جهلاً أو تأولاً.

عوداً على بدء
وبعد هذا الاستطراد نعود إلى السؤال المهم، الذي هو: من أي الأنواع الثلاثة يكون هذا النص؟ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ؟
الجواب: أنه من النوع الثاني الذي اختلف العلماء في المراد بنوع الكفر فيه هل هو الأصغر أم الأكبر.
وإن أدنى اطلاع على كلام المفسرين عند تفسيرهم لقول الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" يبين لك أن قضية ترك الحكم بما أنزل الله من القضايا التي اختلف العلماء في نوع الكفر فيها هل هو الأكبر أم الأصغر، - وليس المقام هنا مقام تفصيل في الراجح وأدلته -.
ولأجل شهرة الخلاف في ذلك في جُل كتب التفسير أكتفي بنقل واحد عن إمام المفسرين ابن جرير الطبري حيث يقول في تفسيره لها (8/456)[4]
"وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع" ويقصد بأهل التأويل: علماء التفسير، ويقصد بقوله: اختلفوا في تأويل الكفر أي: في تفسيره، فإنه يُطلِق التأويل ويريد به التفسير.
ثم ذكر أقوالا لأهل العلم في ذلك، منها: أن المراد كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
ومن أشهر ما يُنقَل في تفسيرها: ما روي عن ابن عباس أنه قال: كفر دون كفر. وقولُ طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة.. وليس المراد ذِكر ثبوت هذا عن ابن عباس أو ضعفه، وإنما المراد أن هذا القول مشهور عند أهل التفسير المعروفين، يتداولونه بينهم بغير نكير، وليس معدوداً في الأقوال الشاذة، وهذا بحد ذاته يعتبر  مؤثراً ومانعاً من أن يكون الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه التكفير.
فهل يكفُر المفسرون الذين حملوا الكُفر في الآية على الكفر الأصغر؟

اعتراض
قد يقول قائل: أوافقك على ذلك، ولكن أخالفك في حكم من لم يكفر الذين استبدلوا الشرع بقانون وضعي مخالف للشرع فإن من لم يكفرهم فهو كافر؟
فالجواب:  أن هذا الاستبدال على درجتين:
الدرجة الأولى:  أن يُشرّع الحاكم للناس قانوناً مخالفا لما أنزل الله، فهذا شرك التشريع، قال الله تعالى : "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" وقال سبحانه "ولا يُشرك في حكمه أحدا"، وهذا أشد درجات الحكم بغير ما أنزل الله كفراً.
الدرجة الثانية: أن يستجلب الحاكم قانوناً مخالفا للشرع قام بتشريعه غيره فجعله حَكَماً بين الناس بدلا عن شرع الله، فهذا أيضاً أشد من مجرد ترك الحكم بما أنزل الله وإن كان أخف من القيام بالتشريع الذي هو حق لله سبحانه.
وكلام بعض السلف في تفسير الآية بالكفر دون الكفر  لا يتنزل على هاتين الصورتين
ومع ذلك فإن إطلاق القول بكفر من لم يكفر الواقع في إحدى هاتين الصورتين لا يصح

موانع إطلاق قاعدة (من لم يكفر الكافر) على من لم يكفر المستبدلين للشريعة
1-  عدم تمييز كثير من المتكلمين في هذا الباب بين الصورة التي قال فيها السلف (كفر دون كفر) وبين صورة الاستبدال العام أو التشريع، فيعتمدون على ما حكاه المفسرون في قول الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) من أنه الكفر الأصغر لتعميمه على صورتي التشريع والاستبدال؛ فإن كُلّاً من الاستبدال أو التشريع يصح أن تقول فيهما (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فالجامع المشترك بين كل تلك الصور = هو عدم الحكم بما أنزل الله، فالحاصل أن الاعتماد على كلام السلف والمفسرين في هذه الآية لتعميمه على جميع الصور المذكورة يجعل المأخذ مختلفاً عن مأخذ القاعدة الذي هو التكذيب بالنص فلا يقال هنا من لم يكفر الكافر فهو كافر.
2- أن كثيرا ممن تكلم في هذه الآية قديما وحديثا يعلّقون مناط الكفر في ترك الحكم بما أنزل الله على أمر قلبي  وهو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله، أو الجحود لحكم الله. وهذا المأخذ يعممه بعض المعاصرين على صور التشريع أو الاستبدال، وهذا موضع اشتباه لدى كثير ممن يتكلم في هذا الباب.
3- وجود من يفتي من أهل العلم الذين عاصروا قضية الاستبدال والتشريع بأنها لا تختلف عن صورة مجرد ترك الحكم بما أنزل الله التي تكلم فيها السلف، وهذا يجعل القضية أيضاً موضع اشتباه.
4-  أن من يُقر بأن التشريع  أو الاستبدال كفرٌ أكبر، قد يتردد في تنزيل الحكم على الأعيان لتعارض الأدلة عنده: فتتعارض عنده أدلة تكفيره، مع أدلة إثبات الإسلام لمن ينطق بالشهادتين ويصلي الخمس، فربما يتوقف، أو يحكم بإسلامه، مع إقراره بأن هذا العمل كفر.


الخلاصة
خلاصة الأمر  أن عدم التكفير هنا ليس للتكذيب بالنص بقدر ما هو التباس في فهم كلام أهل العلم حول النص، أو التباس في مفهوم وحالات الإعذار المتعلقة بالأعيان.
فإن قال قائل: التشريع شرك، والذي يعذر من وقع في الشرك يكفر بعينه، فالذي وقع في الشرك كافر، والذي يعذره كافر أيضاً!
فالجواب: أن مسألة الإعذار بالجهل سنتناولها في مقال خاص بإذن الله فأرجئ الكلام عليها إلى حينه.




[1]  المناط : العلة.
[2] الشفا- ص 846 - ت: عبده كوشك                                                                             
[3]  كشاف القناع عن متن الإقناع (6/171) - دار الكتب العلمية
[4]  ط. عالم الكتب، تحقيق: عبد الله التركي

الثلاثاء، 15 يوليو 2014

سلسلة مقالات مرحلة ما قبل الغلو - (1)

سلسلة مقالات (مرحلة ما قبل الغلو)

(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله، أما بعد:
لم يعُد من الغريب أن ترى من يأخذ في كل المسائل الفقهية المختلف فيها بالقول الذي فيه التسهيل والرخصة، دون تحقيق أو مراجعة أو سؤال؛ نُفوراً من كلمة (حرام) التي يرى أنها استُعمِلَت بشكل خاطئ في كثير من خطابات الناس الشرعية!
وهذا النّفور قد يحصل من كل لفظ أو مصطلح شرعي يقع في تنزيله على الوقائع تجاوز للحد، كألفاظ: التيسير والرخصة والكرامة والتكفير  والخوارج ونحو ذلك.
والحق في كل ذلك بين الإفراط والتفريط.
ومن هذه الألفاظ الشرعية : كلمة (الغلو) وهي من المفردات الحاضرة في نصوص الكتاب والسنّة وكلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وليست من توليد أعداء الإسلام، ولا من اختراع المشوهين له، نعم.. قد تقع مبالغات في استعمالها وتنزيلها على من لا يستحق أن يوصف بها، ولا شك أن هذه المبالغات كان لها أثر سلبي في معالجة الغلو الحقيقي، ولكن هذا ليس مانعاً من استعمالها على وجهها الصحيح،
وكم من منغمس في أوحال الغلو إلى أذنيه وهو يتبرأ منه بلسانه؛ لأنه لا يرى من النور ما يدرك به أنه في ظلمات، وقد يكون ذلك لسوء النية، وفساد الطوية من صاحبه، وقد يكون بسبب الجهل والإعراض عن سبيل العلم ولو صحت النية.
ولِأجلِ ما أرى من وقوع  كثير من الشباب في الغلو المذموم شرعاً -وأقصد تحديداً: الغلو أبواب التكفير والقتال- بسبب الجهل والتنكب عن سبيل العلم، مع ظني صلاح نيتهم وقصدهم -من خلال معرفة أحوال كثير منهم-  عَمِدتُ في هذه السلسلة إلى مناقشة مسائل أرى أن عدم الانضباط فيها يفتح للشاب باب الغلو على مصراعيه، واخترت لهذه السلسلة عنوان (مرحلة ما قبل الغلو)  لاعتقادي أن تداولهم لهذه المسائل بلا علم قد ولّد لديهم الغلو المذموم. إذْ كانوا قبل الدخول في تفاصيلها بعيدين عن الغلو، و بعد أن دخلوا فيها بجهل واضطراب منهجي تاهت بهم السبل عن سبيل الحق وحادت بهم عن الصراط المستقيم .
فأردت تحرير هذه المسائل، أو ذِكر ضوابط منهجية في بعض ما لم أُحرّره منها للاختصار.
ولم أجعل معيار  اختياري لهذه المسائل: النقل عمن سبقني بالحديث في هذا الباب وإنما اخترتها على حسب ما شاهدتُه ولاحظتُه من تأثر بعض الشباب بها، وأسأل الله العون والسداد.
وإن من المسؤولية  على من أدرك ووعى شيئاً من حقيقة الأقوال المخالفة للشرع  أن يبين ما يزيل اللبس تجاهها حتى لا يتأثر بها ضعيف العلم أو مضطرب الإيمان، وليس هذا خاصّاً بباب الغلوّ  والإفراط، بل هو عام في كل الأقوال المخالفة للشرع سواءً أكانت من جهة الغلو والإفراط أو من جهة التفريط والانسلاخ من أحكام الشرع.
وإن الدين النصيحة، وإنّ في مجادلة ابنِ عباس رضي الله عنه للخوارج ورجوع كثير منهم معه إلى الحق لخير دليل على أثر الحجة والبرهان في رجوع من تأثر بجنس أقوالهم إلى الحق والسنّة.

المسألة الأولى: قاعدةُ (من لم يكفر الكافر فهو كافر)
ذَكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام العشرة: الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
وهذا الكلام وإن كان قد اشتُهر عن الشيخ محمد إلا أنه مذكور قبله بقرون، فقد جاء من كلام سفيان بن عيينة كما في كتاب السنّة لعبد الله بن أحمد[1]  ومن كلام أبي زرعة الرازي كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي[2]   ومن كلام محمد بن سحنون المالكي[3] ومن كلام ابن تيمية[4] وغيرهم، ثم اشتهر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجدية.                        
وإني لأجزم أن التعامل الخاطئ مع هذه القاعدة هو من أكبر أسباب الغلو المعاصر في التكفير،
ولذلك سأذكر ضوابط منهجية في التعامل مع هذه القاعدة:
الضابط الأول: هذه القاعدة ليست شاملة لكل أنواع الكفار:
إن حكم هذه القاعدة ليس عامّاً في جميع أنواع الكفار ؛ لأنّ ذلك يستلزم تكفير كل المسلمين بلا استثناء، وهذا لازمٌ فاسد باطل، وإذا كان اللازم فاسداً فإنه يُستدَل به على فساد الملزوم.
v     فإن من المعلوم أن الفقهاء اختلفوا في حكم تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً هل يكفُر أم لا يكفر.
v      ومن المعلوم أيضاً أن جمهور متأخري الفقهاء من الحنفية و المالكية والشافعية رحمهم الله تعالى لا يقولون بكفر تاركها تهاوناً وكسلاً[5]
v     فمن قال بتعميم قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) ممن يذهب إلى القول بكفر تارك الصلاة لزمه تكفير  جمهور فقهاء المذاهب الثلاثة.
v     وإذا صاروا -عنده- كفاراً؛ فيلزمه حينئذٍ أن يستعمل هذه القاعدة، فيُكّفّر من لم يكفّر هؤلاء الجمهور من الفقهاء. وهذا يعني تكفير جميع المسلمين بلا استثناء.
v     وأيضاً، فإن من المعلوم أن السلف قد اختلفوا في تكفير أهل الأهواء، ومن ذلك خلافهم في تكفير الخوارج، وممن اختلف في ذلك: الصحابة، فبعضهم كفرهم وبعضهم لم يكفرهم.
v      فمن قال بتعميم قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) وكان ممن يذهب إلى القول بكفر الخوارج، لزمه أن يكفر من لم يكفر الخوارج من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمة.
v      ويلزمه أن يكفر المحدّثين الذي أخرجوا أحاديث بعض الخوارج في كتبهم -كالبخاري- لأن هذا حكم من المحدث بإسلام من يروي عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من المعلوم أن الكافر لا يروى عنه الحديث!.
v     ثم يلزمه بعد ذلك أن يكفر من لم يكفر هؤلاء المحدثين لأنهم صاروا -عنده- كفارا، وهذا يعني تكفير جميع المسلمين.
إذن؛ فلنتفق -أخي الشاب- أن هذه القاعدة -يقيناً- ليست على إطلاقها، فنحتاج -لزاماً- أن نعرف من الكافر الذي تشمله القاعدة ومن الكافر الذي لا تشمله..
وللحديث بقية بإذن الله في باقي السلسلة ..




[1]   (1/115) ط. دار ابن الجوزي
[2]   فقرة (321) ط.دار طيبة
[3]   الصارم المسلول (ص15 ) ط.المعالي
[4]   المرجع السابق. ص 1108 - 1111
[5]  وإن كان الأرجح من جهة الدليل كفر تاركها ، وعليه قول الصحابة والتابعين.

الأربعاء، 16 أبريل 2014

مناقشة رأي د. عدنان إبراهيم في (سنّ عائشة عند الزواج)

مناقشة رأي د. عدنان إبراهيم في (سنّ عائشة عند الزواج)
بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن خافياً على الدكتور عدنان إبراهيم أنه يخالف الأمر المستقر لدى علماء السير والتاريخ والطبقات عند ترجيحه بأن عائشة رضي الله عنها كان عُمُرها عشرين سنة حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أتعجب من هذه المخالفة أمام القَدر الكبير من  الأخطاء العلمية التي ساقها على أنها أدلة موصلة إلى ما ترجح لديه في هذه المسألة!
إن من البدهي لدى كل باحث أنّ نفي المعلومة المتفقِ عليها بين أهل الاختصاص في فنٍّ ما = يتطلب تحرياً دقيقاً زائداً عن العادة في إثبات الحجة على نفيها وإقامة البرهان على صحة خلافها.
غير أن المستمع لحجج الدكتور عدنان في هذه القضية ليحتار  وهو يبحث عن السبب الذي جعله يعتمد على معلومات غير صحيحة فضلاً عن أن تكون حجةً على نقض أمرٍ مشهور ذائع بين العام والخاص!
وقبل أن أبدأ بمناقشة أهم أدلته على ما توصل إليه أود الإشارة إلى أنها عين الأدلة التي يُرددها كثير من المعاصرين، مكررين في تناقلهم إياها نفس الأخطاء العلمية الفادحة التي تُشعِر بضعف التحقيق.
ومِن أقدم الردود العلمية على أصحاب هذا القول:  رد الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في كتابه (نصرة الحديث) عام (1353 هـ)  وردّ الشيخ المحدث أحمد شاكر على عبّاس العقاد عام (1363) هـ .
وبعد أن أناقش أهم أدلة الدكتور عدنان سأجيب عن القضية الأساسية التي دفعته وغيره لهذا الرأي، وهي: هل هذا الزواج تُهمَة لنُبرِّئ النبي صلى الله عليه وسلم منها؟!

البداية
ابتدأ د. عدنان إبراهيم حديثه عن قضية سنّ السيدة عائشة رضي الله عنها ضمن خُطبة له مرفوعة على موقع (يوتيوب) بقوله (سأفجر ما يُشبه أن يكون لبعضكم قنبلة...أنا في شك أصلا من قضية عمر عائشة حين تزوجها النبي، والذي أرتاح إليه أنها كانت بنت عشرين، يعني من الثامنة عشرة إلى الواحدة أو الثانية والعشرين، ستقول لي كيف؟! هذا يناقض ما في البخاري! نعم، لأن هناك ما في البخاري وما في غير البخاري عشرات الروايات والوقائع تعيدنا وتضطرنا إلى أن نتشكك، وإلى أن نقول إن هناك خطأ ما، هناك خطأ حقيقي وقع في تقدير عمر  السيدة الصديقة بنت الصديق رضوان الله عليها)
وواصل مُثبتاً استحضاره لتصادم اختياره مع ما درج عليه أهل الاختصاص، فقال:
(كل ما درج عليه المؤرخون وأصحاب السير  والطبقات  أن عائشة ولدت قبل الهجرة بأربع سنين بخمس سنين، بست سنين، بسبع سنين، وهذا الأخير أرجح من غيره...لكنه ليس بصحيح)

الدليل الأعظم ومحاولات التشغيب !
إن أي دليل يمكن أن يعتمد عليه القائلون بأن عمر عائشة رضي الله عند الزواج عشرون سنة أو نحو ذلك فلا يمكن أن يكون صريحاً بقدر صراحة الدليل الأعظم في هذه القضية،  وهو كلام صاحبة الشأن نفسها: عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين" 
وهذا الخبر أخرجه الإمامان: البخاري (5133) ومسلم (1422) في صحيحيهما، وأخرجه غيرهما من أصحاب السنن والمسانيد ودواوين الإسلام المشهورة. ولا شك أن الخبر الصادر من صاحب الشأن هو أولى ما يؤخذ به. غير أن الدكتور عدنان له نقد على تصحيح هذا الخبر   بناه على هذه المعلومة، حيث قال:
 (الذي روى هذه القضايا : زواج عائشة، وسن عائشة، وخطبة النبي لها، ودخول النبي بها : شخص واحد تفرد برواية هذه المسألة وهو هشام بن عروة) ثم بدأ في تعليل الحديث بسبب هشام هذا، مرة من جهة رواية العراقيين عنه، ومرة من جهة تغير حفظه.
وهنا الوقفة الكبرى مع الدكتور عدنان.
لن أناقش ما ذكره من رواية العراقيين ولا من تغير حفظه فلا حاجة لذلك؛ لأنه -وبكل بساطة- لم يتفرد هشام بن عروة برواية هذا الحديث!
إن رواية هذا الحديث من غير طريق هشام بن عروة ليس أمراً خفياً يصعب استكشافه، فلم أذهب بعيداً في البحث عن ذلك، فقد وجدت في صحيح الإمام مسلم برقم (1422) رواية رجلين ثقتين لهذا الحديث سوى هشام بن عروة! وهما:
الإمام الزهري حيث رواه عن عروة عن عائشة،
والتابعي الثقة: الأسود حيث رواه عن عائشة رضي الله عنها.
في صحيح مسلم يا سادة! وليس في تاريخ ابن عساكر أو في جزء الألف دينار للقطيعي!
قد يقول قائل: معلومة فاتت الدكتور عدنان؛ وما الإشكال؟ كل العلماء يخطئون، خاصة وأنه يتحدث من حفظه!
وهذا اعتراض متهافت جداً؛ فهل يسوغ لباحث يريد التوصل إلى تضعيف حديث في الصحيحين -من جهة إسناده- أن يقوم بذلك دون أن يجمع طرقه من الصحيحين نفسهما؟!
وهل يُقبَل من باحث يريد نفي معلومة شائعة لدى العام والخاص من المسلمين أنه لا ينظر في مصدرها قبل أن ينفيها؟!
الذي أعتقده أن الدكتور عدنان اعتمد على كلام من قبله ممن أثار هذه القضية دون أن يقوم بنفسه بمراجعة المعلومات على خطورتها! لأن هذا الاعتراض ذاته قد طرحه غيره كما هو بالضبط.

عائشة ونزول سورة القمر
ذكَر الدكتور عدنان حديثاً في صحيح البخاري (4993) يعارض - في نظره- حديث عائشة في سن زواجها، وهو حديثٌ لها -أيضاً- تقول فيه : (لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: " بل  الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ"  سورة القمر-46)
قال الدكتور عدنان (سورة القمر نزلت في مكة، نزلت بعد أن انشق القمر، وكان قبل الهجرة بسنين، تقول عائشة: حين نزلت الاية كنت جارية.
الجارية الصبية الفتية يعني بنت إحدى عشرة، اثنتا عشرة، شيء من هذا، مش أربعة، خمسة. جارية/ من الجراية والجراء كما قال في اللسان، انتبهوا اللغة، إني لجارية ألعب، تخرج تلعب في الشارع) انتهى.
فهو يريد أن يتوصل إلى أنه يستحيل أن تكون عائشة قد وُلدَت قبل الهجرة بخمس أو بست أو بسبع سنين، لأن هذا الوقت هو وقت نزول سورة القمر وهي في ذلك الحين كانت جارية تلعب، ولا يُطلق لفظ الجارية -في دعواه- على ابنة أربع سنين فضلاً عن أن يُطلَق على مولودة رضيعة!
وقبل أن أجيب عن هذا الاستدلال الضعيف جداً، أود أن أعلق على كلمة قالها الدكتور عدنان حين ذكر هذا الحديث، حيث قال ما نصه (هذا في البخاري، حديث صحيح ما فيه كلام) .
قلت: على أي أساس كان صحيحاً لا كلام فيه؟ ألِأجل إخراج البخاري له؟ فإن كان كذلك فليكن حديث عائشة في ذكر سنها صحيحاً لا كلام فيه من باب أولى لأنه اتفق على إخراجه البخاري ومسلم!
أم أنه صحيح لسلامته من التعارض مع غيره؟! فهذا لا يستقيم؛ لأنه يتعارض مع خبرها عن سن زواجها! وخبرُها الصريح أولى بالتقديم من الخبر غير الصريح، وما اتفق عليه الشيخان أولى بالتقديم -عند جماعة- مما انفرد به أحدهما!
وهذا كله من باب الإلزام بناء على المنهجية التي يتخذها؛ وإلا فلا تعارض بين الروايتين أصلاً، وكلا الروايتين صحيحة. والردّ على كلامه من وجهين:
الوجه الأول: أن عائشة رضي الله عنها لم تذكر نزول جميع السورة وإنما ذكرت نزول الاية؛ فإنه لو قُدّر أن السورة نزلت وعائشة لم تكن في سنّ الإدراك حينها، فإنه لا دليل على أن السورة نزلت كاملة في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن سور القران منها ما ينزل مُفرّقاً، فعائشة تُخبر أنها كانت تدرك وقت نزول هذه الاية.
وذكر ابنُ حَجَر  -رحمه الله- في فتح الباري عند شرحه لهذا الحديث (4993) عدداً كبيراً من السور (المكية) التي نزل بعضها في (المدينة) !
بل قد أخرج ابن جرير الطبري (22/158) ما يُفهَم منه  أن الاية نزلت في المدينة، حيث قال: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا داود عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في هذه الاية (سيُهزَم الجمعُ ويولون الدبر) قال: كان ذلك يوم بدر. قال: قالوا: نحن جميع منتصر، فنزلت هذه الاية. ومن المعلوم أن هذه الاية هي التي قبل قول الله (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وبينهما ارتباط من جهة السياق.
وليس المقام هنا مقام جمع أو ترجيح بين الخبرين في موضع نزولها: هل نزلت في المدينة أم في مكة. وإنما المُراد أن نزول السورة مبكراً لا يلزم منه نزول جميع آياتها.

الوجه الثاني: أنه عوّل على أن الجارية لا تكون ابنة أربع أو خمس وإنما ابنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة، وهذا الإطلاق غير صحيح، ويكفي في رده: الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أبوداود في سننه (376) وغيره من حديث أبي السمح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُغسَل من بول الجارية ويُرَش من بول الغلام" والمقصود بالجارية هنا: الرضيعة التي لم تأكل الطعام!
وبوّب البخاري في صحيحه (باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة)
فكيف يصحّ بعد ذلك أن يُقَدّم الخبر غير الصريح على الخبر الصريح؟

بين أسماء وعائشة رضي الله عنهما
إن من أبرز الحجج التي يتمسك بها من يُنكر ما ثبت في البخاري ومسلم من سن عائشة عند الزواج هو حساب الفرق بين مولد عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما للوصول إلى نتيجة مخالفة للخبر.
وتوضيح ذلك من كلام الدكتور عدنان كما يلي، قال:
 (كُتُب التراجم والطبقات -أكثرها-، -ومنهم ابن حجر في الإصابة- تذكر أن أسماء بنت أبي بكر أسن من أختها عائشة بعشر سنوات ثم يذكرون جميعا -كل العلماء والمؤرخين- أن أسماء ولدت لسبع وعشرين قبل التاريخ -أي قبل الهجرة- يعني لأربع عشرة سنة قبل البعثة وهي أسن من عائشة بعشر؛ فتكون عائشة ولدت أربعة قبل البعثة. والدليل الذي يصحح هذا : أنهم اتفقوا جميعا على أن السيدة أسماء رضوان الله عليها قد توفيت سنة ثلاث وسبعين عن مائة سنة، الكل يقول هذا، بعضهم زادها سنة أو نقص سنة أو سنتين.
وهذا ملتئم مع التاريخ الأول؛ لأنها إذا ماتت في سنة ثلاث وسبعين للهجرة عن مائة سنة فيكون عمرها عند الهجرة سبعا وعشرين ، وهذا صحيح لأنهم قالوا ولدت قبل التاريخ بسبع وعشرين. وأسماء أسن من عائشة بعشر سنين؛ فلا بد أن تكون عائشة قد ولدت قبل البعثة بأربع،أو  خمس ، أو ست أو حتى سبع سنين هذا ملتئم جدا) انتهى.
ما ألطف هذا الاستنتاج لو بُني على معلومات صحيحة دون معارض أصح منها، وحين نلاحظ قوة الطرح من الدكتور عدنان ونسبته ما ذكر إلى كل العلماء وجميع المؤرخين فهذا يدفعنا للبحث والتحري، فهل بالفعل اتفق العلماء والمؤرخون على ما ذكره؟
هو ذكر لنا اتفاقاً على أمرين:
الأول: أن أسماء رضي الله عنها ولدت لسبع وعشرين قبل التاريخ -أي قبل الهجرة- .
والثاني: أنها توفيت سنة ثلاث وسبعين عن مائة سنة.
والمعلومة الثالثة نسبها لأكثر كتب التراجم والطبقات وهي أن الفرق في العمر  بينهما عشر سنين.
وقبل مناقشة هذه المعلومات أعود إلى السؤال المنهجي: متى نأخذ بإجماع المؤرخين والعلماء ومتى نرده يا دكتور عدنان؟
لماذا قبلته هنا ورددته حين أجمعوا - كما نقلتَه - على أن سن عائشة عند الزواج تسع سنين؟
ما المعيار , وما الميزان الذي جعلك تقبل هذا وترد ذاك؟!
هذا أمر. والأمر الآخر: من يقول أن القضية فيها إجماع أصلاً؟
ثم إن النتيجة التي توصل إليها الدكتور لا تتم إلا عن طريق إثبات أن الفرق بين سِنَّيْ أسماء وعائشة عشر سنين وإلا فلن نستفيد من الإجماع -المُدّعى- على وقت ميلاد أسماء ووقت وفاتها شيئا في قضيتنا !
وإن حققنا في هذا فسنجد أن أشهر ما يعتمد عليه المؤرخون هو كلام عبد الرحمن بن أبي الزناد في إثبات أن الفرق عشر سنين، وهو كلام مُرسَل لا يُمكن أبداً أن يُصادَم به النص الصريح الصحيح عن عائشة في وقت زواجها !!
بل إن الذهبي في سير أعلام النبلاء ذكر في ترجمة أسماء رضي الله عنها خلاف ذلك، فقال(2/287) (وكانت أسنّ من عائشة ببضع عشرة سنة).
 وقال في ترجمة عبد الله بن الزبير(3/380) : (قال ابن أبي الزناد : كانت -يعني أسماء- أكبر من عائشة بعشر سنين. قلت : فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة. -يعني عند وفاتها- وأما هشام بن عروة ، فقال : عاشت مائة سنة ، ولم يسقط لها سن.) انتهى.
وهذان النصّان في كتابٍ من أشهر كتب التراجم، وفي أحدهما نقضٌ للإجماع المُدّعى على أن عمر أسماء عند وفاتها مائة سنة!

وأيضاً.. دعاوى الإجماع !!
يقول الدكتور عدنان: (يذكرون جميعا بما فيهم ابن حجر في تقريب التهذيب والذهبي في النبلاء وغيرهم أن فاطمة عليها السلام أسن من عائشة بخمس سنين -وهي بنت خديجة- وقد رُزِقَها الرسول وله من العمر خمس وثلاثون؛ إذن لما وُلدت عائشة كم كان عمر الرسول؟ أربعون. هذا هو. وهذا يشكك على الرواية المشهورة التي الكل يقولها) انتهى.
ما الغرض من إيراد هذا الكلام؟ هل هو مجرد التشكيك في الرواية المشهورة (التي الكل يقولها) ؟ أم أن الدكتور يُقر بما جاء فيه؟
لئن كان إقراراً؛ أليس يُعارض ترجيحه بأن مولد عائشة كان قبل البعثة بأربع سنين، بينما يُقرّ -هنا- بأنها ولدت حين كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، أي: عام البِعثة؛ فبأيهما نأخذ؟!
ولئن كان مجرد تشكيك في الرواية المشهورة فعلى أي شيء بُنِي هذا الإجماع؟ وهل مراده نقل الإجماع على إثبات الفرق بينهما في السن فقط أم على أن مولد فاطمة رضي الله عنها كان قبل البعثة بخمس - أيضاً - ؟ لأن النتيجة لا تظهر من إثبات الفرق في السن إلا بإثبات وقت الميلاد؟
أعود إلى سير أعلام النبلاء الذي ذكره الدكتور عدنان لأجد فيه (3/429) (وعائشة ممن ولد في الإسلام وهي أصغر من فاطمة بثمان سنين) فهل يخرم الذهبي قوله (يذكرون جميعا)؟ أعتقد أن الجواب سيكون : نعم؛ لأن الدكتور نص على ذكر الذهبي وعلى ذكر سيره أيضاً.
وقال الذهبي في ترجمة فاطمة (3/417) (مولدها قبل البعثة بقليل)
وأما في تقريب التهذيب لابن حجر فلم أجد شيئاً مما نقله الدكتور لا في ترجمة فاطمة ولا في ترجمة عائشة رضي الله عنهما.
بل وجدتُ فيه ما يُعارض قوله حيث ذكر ابن حجر رحمه الله في ترجمة فاطمة (ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل) اهـ.
فلو حسبنا الفرق -على ما نقل الدكتور عنهم جميعاً- على أنه خمس سنين لقلنا إن عمر عائشة وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بحدود سن الثامنة عشرة أو نحوها وهذا ما يتوافق مع رواية مسلم (1422) لذلك عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عنها وهي بنت ثمان عشرة)

في الأخير
(في الأخير أنا ما أحب أن أقرره أن الرواة أخطأوا في كلمة (بعثة) و (هجرة) ،عائشة ولدت قبل البعثة بأربع أو خمس سنوات هذا هو الصحيح ولما تزوجها النبي كانت قريبا من العشرين، أخطأوا فقط (بعثة/هجرة) هذا هو الخطأ، ودرج عليه كل العلماء إلى اليوم) انتهى.
وبعد مناقشة كلامه وأدلته تبين لنا من الذي أخطأ في تركيب الأدلة، وفي عزو الأقوال، وفي تحقيق دعاوى الإجماع.

من المُتَّهَم؟
(أنا لدي استعداد أن أشكك في مرويات، في أحاديث، في أشخاص، في أشياء كثيرة لكن لا أشكك في نبيّي)
بهذا الكلام ختم الدكتور عدنان حديثه عن المسألة وأبان لنا عن سِر القضية وأنها ليست مجرد اكتشاف علمي أو مطارحة بحثية، وإنما القضية دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من (تهمة) زواجه من عائشة وهي ابنة تسع سنين.
والسؤال هنا: لِم كانت هذه القضية تُهمة؟ ومن الذي جعلها تهمة؟ أليست عائشة رضي الله عنها هي التي نقلتها لنا؟ لو كانت تجد غضاضة من هذا الأمر ألا تكون قد سكتت عن نقله؟ ألم تُسطر لنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل ألوان الحياة الزوجية؟
ثم، هل وجدنا أحداً من المُشركين في ذلك الوقت يطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذا الزواج؟
ثم، هل نفهم من هذا أن كل علماء المسلمين كان ضميرهم ميتاً، وغيرتهم على رسول الله ضعيفة حين أقروا بــــ (تهمة) زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي صغيرة حتى بُعِثَت الضمائر في هذا العصر المليء بالعجائب؟!
لقد كان هذا عُرفاً سائداً يا سادة، ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بالمسلمين لقد كان هذا شائعا في العرب في ذلك الوقت وبعده إلى وقت قريب، وهناك من النساء من تبلغ عند هذا السن.
قال الشافعي رحمه الله (أعْجلُ من سمعتُ به من النساء يَحِضْن: نساء تِهامة، يحضن لتسعِ سنين) السنن الكبرى للبيهقي (1/319)
وأسند البيهقي عنه في السنن الكبرى (1/319)  قوله: (رأيت بصنعاءَ جَدَّةً بنت إحدى وعشرين سنة! حاضت ابنةَ تسع، وولدت ابنة عشر، وحاضت البنت ابنة تسع، وولدت ابنة عشر)  وإسناده عند البيهقي إلى الشافعي غير صحيح .
وفي السنن أيضا (7/420) أسند البيهقي عن عباد بن عباد المهلبي قال (أدركْتُ فينا - يعني المهالبة- امرأة صارت جدة وهي ابنة ثمان عشرة، ولدت لتسع سنين ابنة، فولدت ابنتها لتسع سنين؛ فصارت جدة وهي ابنة ثمان عشرة)
وأسند أيضاً (7/421) عن الليث بن سعد أن أبا صالح حدثه عن رجل أخبره أن ابنةً له حملت وهي ابنةُ عشر سنين. اهـ.
ويقول الشيخ فهد الغفيلي في كتابه (السنا الوهّاج في سنّ عائشة عند الزواج) (ص281) : (علماً بأن هناك إحصائيات في هذا على مستوى العالم في حَمْل الفتيات بسن العاشرة وحولها، فاكتفيتُ بما ستقرأ من نماذج... علماً بأنني لن أتكلم عن أمهاتنا اللاتي بالجزيرة العربية لأن هذا معروف ومتواتر، تزوجن بالتاسعة والعاشرة فما فوق) انتهى.
وأنا - والله- أعرف امرأة طاعنة في السن أخبرتني بنفسها أنها تزوجت وهي ابنة تسع.
وبقي من كلام الدكتور عدنان شيئاً يسيرا أتركه خشية الإطالة وهو مثل سابقه من الأدلة.
والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم على نبينا محمد.
* كلام الدكتور عدنان نقلته من مقطع له منشور في موقع (يوتيوب) بروابط كثيرة، منها هذا الرابط: 
https://www.youtube.com/watch?v=YlITdygQg4I