الثلاثاء، 15 يوليو 2014

سلسلة مقالات مرحلة ما قبل الغلو - (1)

سلسلة مقالات (مرحلة ما قبل الغلو)

(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله، أما بعد:
لم يعُد من الغريب أن ترى من يأخذ في كل المسائل الفقهية المختلف فيها بالقول الذي فيه التسهيل والرخصة، دون تحقيق أو مراجعة أو سؤال؛ نُفوراً من كلمة (حرام) التي يرى أنها استُعمِلَت بشكل خاطئ في كثير من خطابات الناس الشرعية!
وهذا النّفور قد يحصل من كل لفظ أو مصطلح شرعي يقع في تنزيله على الوقائع تجاوز للحد، كألفاظ: التيسير والرخصة والكرامة والتكفير  والخوارج ونحو ذلك.
والحق في كل ذلك بين الإفراط والتفريط.
ومن هذه الألفاظ الشرعية : كلمة (الغلو) وهي من المفردات الحاضرة في نصوص الكتاب والسنّة وكلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وليست من توليد أعداء الإسلام، ولا من اختراع المشوهين له، نعم.. قد تقع مبالغات في استعمالها وتنزيلها على من لا يستحق أن يوصف بها، ولا شك أن هذه المبالغات كان لها أثر سلبي في معالجة الغلو الحقيقي، ولكن هذا ليس مانعاً من استعمالها على وجهها الصحيح،
وكم من منغمس في أوحال الغلو إلى أذنيه وهو يتبرأ منه بلسانه؛ لأنه لا يرى من النور ما يدرك به أنه في ظلمات، وقد يكون ذلك لسوء النية، وفساد الطوية من صاحبه، وقد يكون بسبب الجهل والإعراض عن سبيل العلم ولو صحت النية.
ولِأجلِ ما أرى من وقوع  كثير من الشباب في الغلو المذموم شرعاً -وأقصد تحديداً: الغلو أبواب التكفير والقتال- بسبب الجهل والتنكب عن سبيل العلم، مع ظني صلاح نيتهم وقصدهم -من خلال معرفة أحوال كثير منهم-  عَمِدتُ في هذه السلسلة إلى مناقشة مسائل أرى أن عدم الانضباط فيها يفتح للشاب باب الغلو على مصراعيه، واخترت لهذه السلسلة عنوان (مرحلة ما قبل الغلو)  لاعتقادي أن تداولهم لهذه المسائل بلا علم قد ولّد لديهم الغلو المذموم. إذْ كانوا قبل الدخول في تفاصيلها بعيدين عن الغلو، و بعد أن دخلوا فيها بجهل واضطراب منهجي تاهت بهم السبل عن سبيل الحق وحادت بهم عن الصراط المستقيم .
فأردت تحرير هذه المسائل، أو ذِكر ضوابط منهجية في بعض ما لم أُحرّره منها للاختصار.
ولم أجعل معيار  اختياري لهذه المسائل: النقل عمن سبقني بالحديث في هذا الباب وإنما اخترتها على حسب ما شاهدتُه ولاحظتُه من تأثر بعض الشباب بها، وأسأل الله العون والسداد.
وإن من المسؤولية  على من أدرك ووعى شيئاً من حقيقة الأقوال المخالفة للشرع  أن يبين ما يزيل اللبس تجاهها حتى لا يتأثر بها ضعيف العلم أو مضطرب الإيمان، وليس هذا خاصّاً بباب الغلوّ  والإفراط، بل هو عام في كل الأقوال المخالفة للشرع سواءً أكانت من جهة الغلو والإفراط أو من جهة التفريط والانسلاخ من أحكام الشرع.
وإن الدين النصيحة، وإنّ في مجادلة ابنِ عباس رضي الله عنه للخوارج ورجوع كثير منهم معه إلى الحق لخير دليل على أثر الحجة والبرهان في رجوع من تأثر بجنس أقوالهم إلى الحق والسنّة.

المسألة الأولى: قاعدةُ (من لم يكفر الكافر فهو كافر)
ذَكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نواقض الإسلام العشرة: الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
وهذا الكلام وإن كان قد اشتُهر عن الشيخ محمد إلا أنه مذكور قبله بقرون، فقد جاء من كلام سفيان بن عيينة كما في كتاب السنّة لعبد الله بن أحمد[1]  ومن كلام أبي زرعة الرازي كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي[2]   ومن كلام محمد بن سحنون المالكي[3] ومن كلام ابن تيمية[4] وغيرهم، ثم اشتهر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجدية.                        
وإني لأجزم أن التعامل الخاطئ مع هذه القاعدة هو من أكبر أسباب الغلو المعاصر في التكفير،
ولذلك سأذكر ضوابط منهجية في التعامل مع هذه القاعدة:
الضابط الأول: هذه القاعدة ليست شاملة لكل أنواع الكفار:
إن حكم هذه القاعدة ليس عامّاً في جميع أنواع الكفار ؛ لأنّ ذلك يستلزم تكفير كل المسلمين بلا استثناء، وهذا لازمٌ فاسد باطل، وإذا كان اللازم فاسداً فإنه يُستدَل به على فساد الملزوم.
v     فإن من المعلوم أن الفقهاء اختلفوا في حكم تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً هل يكفُر أم لا يكفر.
v      ومن المعلوم أيضاً أن جمهور متأخري الفقهاء من الحنفية و المالكية والشافعية رحمهم الله تعالى لا يقولون بكفر تاركها تهاوناً وكسلاً[5]
v     فمن قال بتعميم قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) ممن يذهب إلى القول بكفر تارك الصلاة لزمه تكفير  جمهور فقهاء المذاهب الثلاثة.
v     وإذا صاروا -عنده- كفاراً؛ فيلزمه حينئذٍ أن يستعمل هذه القاعدة، فيُكّفّر من لم يكفّر هؤلاء الجمهور من الفقهاء. وهذا يعني تكفير جميع المسلمين بلا استثناء.
v     وأيضاً، فإن من المعلوم أن السلف قد اختلفوا في تكفير أهل الأهواء، ومن ذلك خلافهم في تكفير الخوارج، وممن اختلف في ذلك: الصحابة، فبعضهم كفرهم وبعضهم لم يكفرهم.
v      فمن قال بتعميم قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) وكان ممن يذهب إلى القول بكفر الخوارج، لزمه أن يكفر من لم يكفر الخوارج من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمة.
v      ويلزمه أن يكفر المحدّثين الذي أخرجوا أحاديث بعض الخوارج في كتبهم -كالبخاري- لأن هذا حكم من المحدث بإسلام من يروي عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من المعلوم أن الكافر لا يروى عنه الحديث!.
v     ثم يلزمه بعد ذلك أن يكفر من لم يكفر هؤلاء المحدثين لأنهم صاروا -عنده- كفارا، وهذا يعني تكفير جميع المسلمين.
إذن؛ فلنتفق -أخي الشاب- أن هذه القاعدة -يقيناً- ليست على إطلاقها، فنحتاج -لزاماً- أن نعرف من الكافر الذي تشمله القاعدة ومن الكافر الذي لا تشمله..
وللحديث بقية بإذن الله في باقي السلسلة ..




[1]   (1/115) ط. دار ابن الجوزي
[2]   فقرة (321) ط.دار طيبة
[3]   الصارم المسلول (ص15 ) ط.المعالي
[4]   المرجع السابق. ص 1108 - 1111
[5]  وإن كان الأرجح من جهة الدليل كفر تاركها ، وعليه قول الصحابة والتابعين.

الأربعاء، 16 أبريل 2014

مناقشة رأي د. عدنان إبراهيم في (سنّ عائشة عند الزواج)

مناقشة رأي د. عدنان إبراهيم في (سنّ عائشة عند الزواج)
بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن خافياً على الدكتور عدنان إبراهيم أنه يخالف الأمر المستقر لدى علماء السير والتاريخ والطبقات عند ترجيحه بأن عائشة رضي الله عنها كان عُمُرها عشرين سنة حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أتعجب من هذه المخالفة أمام القَدر الكبير من  الأخطاء العلمية التي ساقها على أنها أدلة موصلة إلى ما ترجح لديه في هذه المسألة!
إن من البدهي لدى كل باحث أنّ نفي المعلومة المتفقِ عليها بين أهل الاختصاص في فنٍّ ما = يتطلب تحرياً دقيقاً زائداً عن العادة في إثبات الحجة على نفيها وإقامة البرهان على صحة خلافها.
غير أن المستمع لحجج الدكتور عدنان في هذه القضية ليحتار  وهو يبحث عن السبب الذي جعله يعتمد على معلومات غير صحيحة فضلاً عن أن تكون حجةً على نقض أمرٍ مشهور ذائع بين العام والخاص!
وقبل أن أبدأ بمناقشة أهم أدلته على ما توصل إليه أود الإشارة إلى أنها عين الأدلة التي يُرددها كثير من المعاصرين، مكررين في تناقلهم إياها نفس الأخطاء العلمية الفادحة التي تُشعِر بضعف التحقيق.
ومِن أقدم الردود العلمية على أصحاب هذا القول:  رد الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في كتابه (نصرة الحديث) عام (1353 هـ)  وردّ الشيخ المحدث أحمد شاكر على عبّاس العقاد عام (1363) هـ .
وبعد أن أناقش أهم أدلة الدكتور عدنان سأجيب عن القضية الأساسية التي دفعته وغيره لهذا الرأي، وهي: هل هذا الزواج تُهمَة لنُبرِّئ النبي صلى الله عليه وسلم منها؟!

البداية
ابتدأ د. عدنان إبراهيم حديثه عن قضية سنّ السيدة عائشة رضي الله عنها ضمن خُطبة له مرفوعة على موقع (يوتيوب) بقوله (سأفجر ما يُشبه أن يكون لبعضكم قنبلة...أنا في شك أصلا من قضية عمر عائشة حين تزوجها النبي، والذي أرتاح إليه أنها كانت بنت عشرين، يعني من الثامنة عشرة إلى الواحدة أو الثانية والعشرين، ستقول لي كيف؟! هذا يناقض ما في البخاري! نعم، لأن هناك ما في البخاري وما في غير البخاري عشرات الروايات والوقائع تعيدنا وتضطرنا إلى أن نتشكك، وإلى أن نقول إن هناك خطأ ما، هناك خطأ حقيقي وقع في تقدير عمر  السيدة الصديقة بنت الصديق رضوان الله عليها)
وواصل مُثبتاً استحضاره لتصادم اختياره مع ما درج عليه أهل الاختصاص، فقال:
(كل ما درج عليه المؤرخون وأصحاب السير  والطبقات  أن عائشة ولدت قبل الهجرة بأربع سنين بخمس سنين، بست سنين، بسبع سنين، وهذا الأخير أرجح من غيره...لكنه ليس بصحيح)

الدليل الأعظم ومحاولات التشغيب !
إن أي دليل يمكن أن يعتمد عليه القائلون بأن عمر عائشة رضي الله عند الزواج عشرون سنة أو نحو ذلك فلا يمكن أن يكون صريحاً بقدر صراحة الدليل الأعظم في هذه القضية،  وهو كلام صاحبة الشأن نفسها: عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين" 
وهذا الخبر أخرجه الإمامان: البخاري (5133) ومسلم (1422) في صحيحيهما، وأخرجه غيرهما من أصحاب السنن والمسانيد ودواوين الإسلام المشهورة. ولا شك أن الخبر الصادر من صاحب الشأن هو أولى ما يؤخذ به. غير أن الدكتور عدنان له نقد على تصحيح هذا الخبر   بناه على هذه المعلومة، حيث قال:
 (الذي روى هذه القضايا : زواج عائشة، وسن عائشة، وخطبة النبي لها، ودخول النبي بها : شخص واحد تفرد برواية هذه المسألة وهو هشام بن عروة) ثم بدأ في تعليل الحديث بسبب هشام هذا، مرة من جهة رواية العراقيين عنه، ومرة من جهة تغير حفظه.
وهنا الوقفة الكبرى مع الدكتور عدنان.
لن أناقش ما ذكره من رواية العراقيين ولا من تغير حفظه فلا حاجة لذلك؛ لأنه -وبكل بساطة- لم يتفرد هشام بن عروة برواية هذا الحديث!
إن رواية هذا الحديث من غير طريق هشام بن عروة ليس أمراً خفياً يصعب استكشافه، فلم أذهب بعيداً في البحث عن ذلك، فقد وجدت في صحيح الإمام مسلم برقم (1422) رواية رجلين ثقتين لهذا الحديث سوى هشام بن عروة! وهما:
الإمام الزهري حيث رواه عن عروة عن عائشة،
والتابعي الثقة: الأسود حيث رواه عن عائشة رضي الله عنها.
في صحيح مسلم يا سادة! وليس في تاريخ ابن عساكر أو في جزء الألف دينار للقطيعي!
قد يقول قائل: معلومة فاتت الدكتور عدنان؛ وما الإشكال؟ كل العلماء يخطئون، خاصة وأنه يتحدث من حفظه!
وهذا اعتراض متهافت جداً؛ فهل يسوغ لباحث يريد التوصل إلى تضعيف حديث في الصحيحين -من جهة إسناده- أن يقوم بذلك دون أن يجمع طرقه من الصحيحين نفسهما؟!
وهل يُقبَل من باحث يريد نفي معلومة شائعة لدى العام والخاص من المسلمين أنه لا ينظر في مصدرها قبل أن ينفيها؟!
الذي أعتقده أن الدكتور عدنان اعتمد على كلام من قبله ممن أثار هذه القضية دون أن يقوم بنفسه بمراجعة المعلومات على خطورتها! لأن هذا الاعتراض ذاته قد طرحه غيره كما هو بالضبط.

عائشة ونزول سورة القمر
ذكَر الدكتور عدنان حديثاً في صحيح البخاري (4993) يعارض - في نظره- حديث عائشة في سن زواجها، وهو حديثٌ لها -أيضاً- تقول فيه : (لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: " بل  الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ"  سورة القمر-46)
قال الدكتور عدنان (سورة القمر نزلت في مكة، نزلت بعد أن انشق القمر، وكان قبل الهجرة بسنين، تقول عائشة: حين نزلت الاية كنت جارية.
الجارية الصبية الفتية يعني بنت إحدى عشرة، اثنتا عشرة، شيء من هذا، مش أربعة، خمسة. جارية/ من الجراية والجراء كما قال في اللسان، انتبهوا اللغة، إني لجارية ألعب، تخرج تلعب في الشارع) انتهى.
فهو يريد أن يتوصل إلى أنه يستحيل أن تكون عائشة قد وُلدَت قبل الهجرة بخمس أو بست أو بسبع سنين، لأن هذا الوقت هو وقت نزول سورة القمر وهي في ذلك الحين كانت جارية تلعب، ولا يُطلق لفظ الجارية -في دعواه- على ابنة أربع سنين فضلاً عن أن يُطلَق على مولودة رضيعة!
وقبل أن أجيب عن هذا الاستدلال الضعيف جداً، أود أن أعلق على كلمة قالها الدكتور عدنان حين ذكر هذا الحديث، حيث قال ما نصه (هذا في البخاري، حديث صحيح ما فيه كلام) .
قلت: على أي أساس كان صحيحاً لا كلام فيه؟ ألِأجل إخراج البخاري له؟ فإن كان كذلك فليكن حديث عائشة في ذكر سنها صحيحاً لا كلام فيه من باب أولى لأنه اتفق على إخراجه البخاري ومسلم!
أم أنه صحيح لسلامته من التعارض مع غيره؟! فهذا لا يستقيم؛ لأنه يتعارض مع خبرها عن سن زواجها! وخبرُها الصريح أولى بالتقديم من الخبر غير الصريح، وما اتفق عليه الشيخان أولى بالتقديم -عند جماعة- مما انفرد به أحدهما!
وهذا كله من باب الإلزام بناء على المنهجية التي يتخذها؛ وإلا فلا تعارض بين الروايتين أصلاً، وكلا الروايتين صحيحة. والردّ على كلامه من وجهين:
الوجه الأول: أن عائشة رضي الله عنها لم تذكر نزول جميع السورة وإنما ذكرت نزول الاية؛ فإنه لو قُدّر أن السورة نزلت وعائشة لم تكن في سنّ الإدراك حينها، فإنه لا دليل على أن السورة نزلت كاملة في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن سور القران منها ما ينزل مُفرّقاً، فعائشة تُخبر أنها كانت تدرك وقت نزول هذه الاية.
وذكر ابنُ حَجَر  -رحمه الله- في فتح الباري عند شرحه لهذا الحديث (4993) عدداً كبيراً من السور (المكية) التي نزل بعضها في (المدينة) !
بل قد أخرج ابن جرير الطبري (22/158) ما يُفهَم منه  أن الاية نزلت في المدينة، حيث قال: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا داود عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في هذه الاية (سيُهزَم الجمعُ ويولون الدبر) قال: كان ذلك يوم بدر. قال: قالوا: نحن جميع منتصر، فنزلت هذه الاية. ومن المعلوم أن هذه الاية هي التي قبل قول الله (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وبينهما ارتباط من جهة السياق.
وليس المقام هنا مقام جمع أو ترجيح بين الخبرين في موضع نزولها: هل نزلت في المدينة أم في مكة. وإنما المُراد أن نزول السورة مبكراً لا يلزم منه نزول جميع آياتها.

الوجه الثاني: أنه عوّل على أن الجارية لا تكون ابنة أربع أو خمس وإنما ابنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة، وهذا الإطلاق غير صحيح، ويكفي في رده: الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أبوداود في سننه (376) وغيره من حديث أبي السمح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يُغسَل من بول الجارية ويُرَش من بول الغلام" والمقصود بالجارية هنا: الرضيعة التي لم تأكل الطعام!
وبوّب البخاري في صحيحه (باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة)
فكيف يصحّ بعد ذلك أن يُقَدّم الخبر غير الصريح على الخبر الصريح؟

بين أسماء وعائشة رضي الله عنهما
إن من أبرز الحجج التي يتمسك بها من يُنكر ما ثبت في البخاري ومسلم من سن عائشة عند الزواج هو حساب الفرق بين مولد عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما للوصول إلى نتيجة مخالفة للخبر.
وتوضيح ذلك من كلام الدكتور عدنان كما يلي، قال:
 (كُتُب التراجم والطبقات -أكثرها-، -ومنهم ابن حجر في الإصابة- تذكر أن أسماء بنت أبي بكر أسن من أختها عائشة بعشر سنوات ثم يذكرون جميعا -كل العلماء والمؤرخين- أن أسماء ولدت لسبع وعشرين قبل التاريخ -أي قبل الهجرة- يعني لأربع عشرة سنة قبل البعثة وهي أسن من عائشة بعشر؛ فتكون عائشة ولدت أربعة قبل البعثة. والدليل الذي يصحح هذا : أنهم اتفقوا جميعا على أن السيدة أسماء رضوان الله عليها قد توفيت سنة ثلاث وسبعين عن مائة سنة، الكل يقول هذا، بعضهم زادها سنة أو نقص سنة أو سنتين.
وهذا ملتئم مع التاريخ الأول؛ لأنها إذا ماتت في سنة ثلاث وسبعين للهجرة عن مائة سنة فيكون عمرها عند الهجرة سبعا وعشرين ، وهذا صحيح لأنهم قالوا ولدت قبل التاريخ بسبع وعشرين. وأسماء أسن من عائشة بعشر سنين؛ فلا بد أن تكون عائشة قد ولدت قبل البعثة بأربع،أو  خمس ، أو ست أو حتى سبع سنين هذا ملتئم جدا) انتهى.
ما ألطف هذا الاستنتاج لو بُني على معلومات صحيحة دون معارض أصح منها، وحين نلاحظ قوة الطرح من الدكتور عدنان ونسبته ما ذكر إلى كل العلماء وجميع المؤرخين فهذا يدفعنا للبحث والتحري، فهل بالفعل اتفق العلماء والمؤرخون على ما ذكره؟
هو ذكر لنا اتفاقاً على أمرين:
الأول: أن أسماء رضي الله عنها ولدت لسبع وعشرين قبل التاريخ -أي قبل الهجرة- .
والثاني: أنها توفيت سنة ثلاث وسبعين عن مائة سنة.
والمعلومة الثالثة نسبها لأكثر كتب التراجم والطبقات وهي أن الفرق في العمر  بينهما عشر سنين.
وقبل مناقشة هذه المعلومات أعود إلى السؤال المنهجي: متى نأخذ بإجماع المؤرخين والعلماء ومتى نرده يا دكتور عدنان؟
لماذا قبلته هنا ورددته حين أجمعوا - كما نقلتَه - على أن سن عائشة عند الزواج تسع سنين؟
ما المعيار , وما الميزان الذي جعلك تقبل هذا وترد ذاك؟!
هذا أمر. والأمر الآخر: من يقول أن القضية فيها إجماع أصلاً؟
ثم إن النتيجة التي توصل إليها الدكتور لا تتم إلا عن طريق إثبات أن الفرق بين سِنَّيْ أسماء وعائشة عشر سنين وإلا فلن نستفيد من الإجماع -المُدّعى- على وقت ميلاد أسماء ووقت وفاتها شيئا في قضيتنا !
وإن حققنا في هذا فسنجد أن أشهر ما يعتمد عليه المؤرخون هو كلام عبد الرحمن بن أبي الزناد في إثبات أن الفرق عشر سنين، وهو كلام مُرسَل لا يُمكن أبداً أن يُصادَم به النص الصريح الصحيح عن عائشة في وقت زواجها !!
بل إن الذهبي في سير أعلام النبلاء ذكر في ترجمة أسماء رضي الله عنها خلاف ذلك، فقال(2/287) (وكانت أسنّ من عائشة ببضع عشرة سنة).
 وقال في ترجمة عبد الله بن الزبير(3/380) : (قال ابن أبي الزناد : كانت -يعني أسماء- أكبر من عائشة بعشر سنين. قلت : فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة. -يعني عند وفاتها- وأما هشام بن عروة ، فقال : عاشت مائة سنة ، ولم يسقط لها سن.) انتهى.
وهذان النصّان في كتابٍ من أشهر كتب التراجم، وفي أحدهما نقضٌ للإجماع المُدّعى على أن عمر أسماء عند وفاتها مائة سنة!

وأيضاً.. دعاوى الإجماع !!
يقول الدكتور عدنان: (يذكرون جميعا بما فيهم ابن حجر في تقريب التهذيب والذهبي في النبلاء وغيرهم أن فاطمة عليها السلام أسن من عائشة بخمس سنين -وهي بنت خديجة- وقد رُزِقَها الرسول وله من العمر خمس وثلاثون؛ إذن لما وُلدت عائشة كم كان عمر الرسول؟ أربعون. هذا هو. وهذا يشكك على الرواية المشهورة التي الكل يقولها) انتهى.
ما الغرض من إيراد هذا الكلام؟ هل هو مجرد التشكيك في الرواية المشهورة (التي الكل يقولها) ؟ أم أن الدكتور يُقر بما جاء فيه؟
لئن كان إقراراً؛ أليس يُعارض ترجيحه بأن مولد عائشة كان قبل البعثة بأربع سنين، بينما يُقرّ -هنا- بأنها ولدت حين كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، أي: عام البِعثة؛ فبأيهما نأخذ؟!
ولئن كان مجرد تشكيك في الرواية المشهورة فعلى أي شيء بُنِي هذا الإجماع؟ وهل مراده نقل الإجماع على إثبات الفرق بينهما في السن فقط أم على أن مولد فاطمة رضي الله عنها كان قبل البعثة بخمس - أيضاً - ؟ لأن النتيجة لا تظهر من إثبات الفرق في السن إلا بإثبات وقت الميلاد؟
أعود إلى سير أعلام النبلاء الذي ذكره الدكتور عدنان لأجد فيه (3/429) (وعائشة ممن ولد في الإسلام وهي أصغر من فاطمة بثمان سنين) فهل يخرم الذهبي قوله (يذكرون جميعا)؟ أعتقد أن الجواب سيكون : نعم؛ لأن الدكتور نص على ذكر الذهبي وعلى ذكر سيره أيضاً.
وقال الذهبي في ترجمة فاطمة (3/417) (مولدها قبل البعثة بقليل)
وأما في تقريب التهذيب لابن حجر فلم أجد شيئاً مما نقله الدكتور لا في ترجمة فاطمة ولا في ترجمة عائشة رضي الله عنهما.
بل وجدتُ فيه ما يُعارض قوله حيث ذكر ابن حجر رحمه الله في ترجمة فاطمة (ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل) اهـ.
فلو حسبنا الفرق -على ما نقل الدكتور عنهم جميعاً- على أنه خمس سنين لقلنا إن عمر عائشة وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بحدود سن الثامنة عشرة أو نحوها وهذا ما يتوافق مع رواية مسلم (1422) لذلك عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عنها وهي بنت ثمان عشرة)

في الأخير
(في الأخير أنا ما أحب أن أقرره أن الرواة أخطأوا في كلمة (بعثة) و (هجرة) ،عائشة ولدت قبل البعثة بأربع أو خمس سنوات هذا هو الصحيح ولما تزوجها النبي كانت قريبا من العشرين، أخطأوا فقط (بعثة/هجرة) هذا هو الخطأ، ودرج عليه كل العلماء إلى اليوم) انتهى.
وبعد مناقشة كلامه وأدلته تبين لنا من الذي أخطأ في تركيب الأدلة، وفي عزو الأقوال، وفي تحقيق دعاوى الإجماع.

من المُتَّهَم؟
(أنا لدي استعداد أن أشكك في مرويات، في أحاديث، في أشخاص، في أشياء كثيرة لكن لا أشكك في نبيّي)
بهذا الكلام ختم الدكتور عدنان حديثه عن المسألة وأبان لنا عن سِر القضية وأنها ليست مجرد اكتشاف علمي أو مطارحة بحثية، وإنما القضية دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من (تهمة) زواجه من عائشة وهي ابنة تسع سنين.
والسؤال هنا: لِم كانت هذه القضية تُهمة؟ ومن الذي جعلها تهمة؟ أليست عائشة رضي الله عنها هي التي نقلتها لنا؟ لو كانت تجد غضاضة من هذا الأمر ألا تكون قد سكتت عن نقله؟ ألم تُسطر لنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل ألوان الحياة الزوجية؟
ثم، هل وجدنا أحداً من المُشركين في ذلك الوقت يطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذا الزواج؟
ثم، هل نفهم من هذا أن كل علماء المسلمين كان ضميرهم ميتاً، وغيرتهم على رسول الله ضعيفة حين أقروا بــــ (تهمة) زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي صغيرة حتى بُعِثَت الضمائر في هذا العصر المليء بالعجائب؟!
لقد كان هذا عُرفاً سائداً يا سادة، ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بالمسلمين لقد كان هذا شائعا في العرب في ذلك الوقت وبعده إلى وقت قريب، وهناك من النساء من تبلغ عند هذا السن.
قال الشافعي رحمه الله (أعْجلُ من سمعتُ به من النساء يَحِضْن: نساء تِهامة، يحضن لتسعِ سنين) السنن الكبرى للبيهقي (1/319)
وأسند البيهقي عنه في السنن الكبرى (1/319)  قوله: (رأيت بصنعاءَ جَدَّةً بنت إحدى وعشرين سنة! حاضت ابنةَ تسع، وولدت ابنة عشر، وحاضت البنت ابنة تسع، وولدت ابنة عشر)  وإسناده عند البيهقي إلى الشافعي غير صحيح .
وفي السنن أيضا (7/420) أسند البيهقي عن عباد بن عباد المهلبي قال (أدركْتُ فينا - يعني المهالبة- امرأة صارت جدة وهي ابنة ثمان عشرة، ولدت لتسع سنين ابنة، فولدت ابنتها لتسع سنين؛ فصارت جدة وهي ابنة ثمان عشرة)
وأسند أيضاً (7/421) عن الليث بن سعد أن أبا صالح حدثه عن رجل أخبره أن ابنةً له حملت وهي ابنةُ عشر سنين. اهـ.
ويقول الشيخ فهد الغفيلي في كتابه (السنا الوهّاج في سنّ عائشة عند الزواج) (ص281) : (علماً بأن هناك إحصائيات في هذا على مستوى العالم في حَمْل الفتيات بسن العاشرة وحولها، فاكتفيتُ بما ستقرأ من نماذج... علماً بأنني لن أتكلم عن أمهاتنا اللاتي بالجزيرة العربية لأن هذا معروف ومتواتر، تزوجن بالتاسعة والعاشرة فما فوق) انتهى.
وأنا - والله- أعرف امرأة طاعنة في السن أخبرتني بنفسها أنها تزوجت وهي ابنة تسع.
وبقي من كلام الدكتور عدنان شيئاً يسيرا أتركه خشية الإطالة وهو مثل سابقه من الأدلة.
والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم على نبينا محمد.
* كلام الدكتور عدنان نقلته من مقطع له منشور في موقع (يوتيوب) بروابط كثيرة، منها هذا الرابط: 
https://www.youtube.com/watch?v=YlITdygQg4I





الأحد، 26 يناير 2014

يُسمُون الغيبة بغير اسمها ! (فوائد من كلام ابن تيمية رحمه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم 

هذه أسطر يسيرة جمعتها من كلام ابن تيمية رحمه الله في التحذير من خداع النفس في التبرير لها بغيبة المسلمين تحت قوالب كاذبة.


قال رحمه الله: "ويُخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا، وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة مِن هذا" ! الفتاوى 237/28


وقال "ومنهم من يُظهِر الغيبة في قالب غضب وإنكار مُنكر، فيُظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر"! الفتاوى 238/28


وقال  "ومنهم من يُخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليُضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المُستهزأ به" الفتاوى 237/28


وقال "ومنهم من يُخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول تعجبتُ من فلان! كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت.." الفتاوى- 238/28


وقال: "يقول: مسكين فلان، غمّني ما جرى له..فيظن من يسمعه أنه يغتمّ له ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به" ! ابن تيمية 238/28


وبعد أن ذكر ابن تيمية قوالب الناس في إخراج الغيبة، قال: (وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه) الفتاوى- 238/28


وقال "ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد"  الفتاوى - 237/28


وبعد أن ذكر أن الخطأ يُبين ولو كان من زاهد أو عابد قال (ومن عُلم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يُذكر على وجه الذم والتأثيم له فإن الله غفر له خطأه) 28/234 الفتاوى


وقال "وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذُكر بما يعلم منه.. ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصدا بذلك وجه الله، وان تكون كلمة الله هي العليا" الفتاوى 234/28


وقال  "فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء" الفتاوى  235/28

الثلاثاء، 18 يونيو 2013

مشكلة عدنان إبراهيم مع صحيح البخاري.. رؤية نقدية


بسم الله الرحمن الرحيم 

مشكلة عدنان إبراهيم مع صحيح البخاري.. رؤية نقدية 


شاهدتُ عبر الشبكة خطبةً للدكتور عدنان إبراهيم قدَّمَها تحت عنوان " مشكلتي مع البخاري"  وبعد مقارنتها بسائر خطبه الأخرى ترسّخ لديّ بأن مشكلة عدنان إبراهيم ليست خاصة بصحيح البخاري؛ بل هي مع سائر كتب السنة، وهي مع الأقل صحة من (البخاري) أكبر  وأشد؛ لأن صحيح البخاري يجمع أصح ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ و ليست هناك أي خصوصية سلبية تجعل الإشكالية خاصة بالبخاري وصحيحه، فالأمر متعلق بمشكلة حقيقية لدى الدكتور عدنان إبراهيم مع السنة وروايتها بشكل عام كما سيظهر للقارئ الكريم في تفاصيل هذه الأسطر بإذن الله .

أدوات عدنان إبراهيم في تبرير مشكلته مع البخاري: 

يُفاجأ المشاهد للخطبة بأن من أول ما ذكره عدنان إبراهيم فيها هو إيصال رسالة استبشاع لِمَنْطِقٍ يزعم أنه سائد تجاه صحيح البخاري، وذلك أنه ذكر خبر  المثقف الذي لم يكن مختصا  في العلوم الشرعية، وحصل منه أنه جعل الخطأ في القران أهون من الخطأ في صحيح البخاري،
وعلى قَدر الغرابة في هذا الموقف، فإن تعليق عدنان إبراهيم عليه أشد غرابة، حيث قال ما نصه  عند الدقيقة 8:18 "وفي الحقيقة فهذا منطق سائد وشائع" 

ولا تستحق دعوى شيوع هذا المنطق أن يُرَد عليها بِقَدرِ ما ينبعث التعجب والتساؤل: لماذا يدّعي عدنان إبراهيم شيوع هذا المنطق غير الشائع؟  هل المراد بث الاستنكار  والاستبشاع في أذهان المستمعين بحيث يربطون بين قول المُخالف لعدنان في موقفه من البخاري وبين هذه المواقف (الشائعة السائدة) ؟ 

لم ينته تعليق الدكتور على الموقف، حيث واصل ذاكراً "أن المثقف غير الشرعي طوال حياته إذا سمع ذِكر البخاري سمع بسماعه ألفاظَ العصمة والقداسة والتمام، وأنه يرى الهجوم على من تسول له نفسه التشكيك أو الترديد في حرفٍ من صحيح البخاري فضلاً عن التشكيك بجملة منه!  " 
ربما يكون هذا الفهمُ شائعا بين فئامٍ من العوام وصغار الطلبة وربما بين عدد قليل ممن لهم دراية بالعلم والحديث، غير أن هؤلاء ليسوا وحدهم المخالفين للدكتور في قضية أحاديث البخاري؛ فإن أكثر من يخالفه في هذه القضية مِن حَمَلة العلم والمختصين في علم الحديث -إن لم يكن جميعهم إلا من شذ- يعلمون أن البخاري انتُقِد في مواضع، وأنها انتقادات معتبرة وليس بشرط أن تكون راجحة، ومع ذلك يُخالفون الدكتور في موقفه من صحيح البخاري والذي يختلف عن سائر هذه الانتقادات المعتبرة.

والمراد من الانتقاد في هذه الجزئية أن هذا القول الذي انطلق عدنان إبراهيم منه في خطبته بعد أن أوصل إلى النفوس بشاعته ليس هو الرأي الذي يمثل الثِقَل الحقيقي للمخالفين له في الموقف من البخاري ومن الأحاديث بشكلٍ عام!

ولا عَجَبَ بعد ذلك أن تجد كثيراً ممن يطعن في البخاري وصحيحه وفي السنة وأحاديثها -من المثقفين والشباب- يقولون: "رواة الأحاديث بشرٌ  يصيبون ويخطئون! والبخاري ليس معصوماً، وكل عمل بشري لا بد أن يعتريه نقص" سبحان الله! هل هذا قول مخالفيكم؟ إن كنتم سمعتموه من أحدهم مرة، فإن سائرهم لا يؤمن بهذا أبداً!

ينتقل عدنان إبراهيم بعد ذلك إلى أداة أخرى لتبرير مشكلته مع البخاري: وهي وجود من انتقد صحيح البخاري من كبار الحفاظ، مع أن انتقاداتهم على الصحيح تختلف تماماً عن انتقاداته، وتختلف عن النتيجة التي وصل إليها في الموقف من صحيح البخاري.
فالمتابع لما يطرحه الدكتور يعلم أنه يرد عددا كبيراً من أحاديث الصحيحين ناسباً إياها إلى الكذب أو الدجل دون سير على قواعد علم الحديث المعتبرة - مع العلم بأن هذه القواعد ليست مقتصرة على النظر  في الأسانيد كما قد يظنه البعض، بل تهتم بالمتون- وهذا هو الحد الفاصل بين الانتقاد المقبول والمردود لأحاديث الصحيحين، وهذا إجمال سيأتي تفصيله في باقي أسطر المقال إن شاء الله.

ومن العجيب أن الدكتور في سياق ذكره للأئمة الذين انتقدوا صحيح البخاري خَلَطَ بين من يُعتبر قوله في نقد صحيح البخاري وبين من لا يُعتبر قوله في ذلك.
فقد  ذكر أن الأمة لم تُجمِع على صحة كل ما في البخاري، قال: لأن الأمة ليست فقط أهل السنة، بل فيهم الشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية، والمعتزلة، والإباضية، وهؤلاء لا يلتزمون بصحة كل ما في البخاري!
إن من هؤلاء الذين ذكر الدكتور من يُكفر الصحابة فهل ننتظر منهم أن يأخذوا بروايات مَن دونهم مِن التابعين وتابعيهم فضلا عن أن يعترفوا بالبخاري وشيوخه؟! 

مثال آخر: ساق الدكتور كلام الأئمة الذين انتقدوا البخاري بناء على الموازين المعتبرة في النقد والتي سيأتي ذكرها، ولكنه ذكر معهم من قام بانتقاد صحيح البخاري بناء على اختلاف التصورات العقدية وليس على الموازين المعتبرة!!
كالشيخ محمد زاهد الكوثري حيث ذكر عنه أنه حكم بتزييف أربعة عشر حديثاً من أحاديث الصحيحين أو أحدهما؛ لأن ظاهر هذه الأحاديث التجسيم في حق الله تعالى - على حد فهمهما لها -  !
وبما أن المعروف عن تصور الشيخ الكوثري لمسائل الأسماء والصفات أنه على خلاف اعتقاد السلف الصالح من القرون المُفضّلة؛ فمن غير المستغرَب أن يستنكر هذه الأحاديث التي كان الأخذ بها وقت السلف ميزاناً لتمييز أهل السنة عن غيرهم.
فالمعيار الذي نقله الدكتور عن الكوثري إنما هو الحكم على الأحاديث بناء على ما يعتقده المرء ولو كان باطلا! وبناء على ذلك يحق للشيعي الرافضي أن ينكر ما يراه مخالفا لمعتقده في صحيح البخاري, كالأحاديث المعتلقة بعدالة الصحابة وفضائلهم، وللناصبي أن يقول عن حديث أبي سعيد في أن عماراً تقتله الفئة الباغية: إنه موضوع مكذوب، ويصح للجهمي أن يُكذب الأحاديث التي تخالف قوله في الصفات، وهلم جرّاً .. فيصبح حديث رسول الله ألعوبة بين الناس !!


حقيقة مشكلة عدنان إبراهيم مع صحيح البخاري : 

من متابعتي لكثير من طرح الدكتور عدنان ترسخ عندي أنه يحكم بالوضع والكذب على أحاديث كثيرة في البخاري دون أي اعتبار  لموازين علم الحديث، ويرمي بالأحكام تعميماً ومجازفة وبكل جُرأة واستعجال! فالمسألة التي يُقررها ينسف كلَّ ما خالفها من الأحاديث دون تردد أو تأخر أو تلطف في العبارة! كما أشرنا في  الجزء الثاني من الانتقادات عليه في موضوع النسخ، وذلك أنه حين قرر نفي النسخ في القران بدأ يتخلص من لوازم هذا التقرير  من الأحاديث المثبتة له، فقال عن حديث عائشة في صحيح مسلم "كان فيما أنزل التحريم بعشر رضعات.. " إنه موضوع!
 وقال بجريء العبارة في مثال من أمثلة النسخ  "قصص يؤلفونها"! هكذا بالجملة دون تفصيل متعلق بقدر هذه القصص وأسانيدها وفقهها، مع أن من ضمن هذه التي سماها "القصص المؤلفة" حديثاً في البخاري!
هذا مع أن النسخ يؤمن به كافة علماء الأمة قديما وحديثاً إلا قولاً شاذاً مخالفاً لإطباقهم، فالعبرة عند الدكتور في الرد ما خالف فهمه -هو- للشريعة، ثم بعد ذلك لا معنى لورود هذا الحديث الذي يعارض فهمه من إسناد واحد أو من عشرين إسنادا فالقضية لا معنى لها عنده، ولا معنى عنده لإيمان آلاف العلماء على مر القرون بهذه الأحاديث وتنزيههم إياها عن مخالفة الشريعة، فهي بكل سهولة: كذب ودجل ودسائس!! وهذا كما تقدم هو جوهر الفرق بين انتقاداته لأحاديث الصحيحين وبين انتقادات الدارقطني وأمثاله ممن انتقادهم معتبرة. 
وأضرب مثالين على إثبات ذلك من خطبتين من خُطَبِه:
المثال الأول:  تكذيبه أحاديث خروج المسيح الدجال.
المثال الثاني:  تكذيبه أحاديث نزول نبي الله عيسى عليه السلام (وسأشير إلى شيء من التفصيل في هذا المثال عند عنوان "عدنان إبراهيم والإحالة إلى الأشباح" ).
أحاديث خروج الدجال رويت في الصحيحين من رواية عشرين صحابياً، وبعض هؤلاء الصحابة روي الحديث عنهم من أكثر من وجه وطريق.
والنقطة المهمة هنا أن نعلم أنه قلَّ أن يوجد حديث روي في الصحيحين بهذا الكم الكبير من الأسانيد الصحاح، فمِثل هذا الحديث يُعّدُّ من أصح ما في الصحيحين،
وبما أن الصحيحين هما أصحّ الكتب بعد القران، فالنتيجة أن هذا الحديث هو من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق.
 فإذا كان مثل هذا الحديث بهذه الدرجة من الصحة يقول عنه د.عدنان بلا تردد (إنه كذب) فهل يمكن الاعتماد بعد ذلك على شيء من السنة ؟ الجواب: لا بالتأكيد. 


اضطراب الموازين عند عدنان إبراهيم 


بعض الموازين والمعايير التي يستعملها عدنان إبراهيم تكون معتبرة عنده في بعض المواضيع ثم تختفي فجأة في البعض الآخر!
فعلم الحديث وموازينه يكون حجة في أمور، وصِفراً في أمور أُخَر !
ومعارضة الحديث بما هو أصح منه تُستعمل مرةً وتُهمَل أخرى!
وهكذا في خطبتنا هذه حكّم ميزاناً كان يُهمله ويناقضه دائماً !
فالمتابع لخُطَب د. عدنان إبراهيم يرى بجلاء استسهاله تجهيلَ مئات العلماء من الفقهاء والمحدثين والمفسرين بعبارات شديدة جدا، وكثيرا ما يمارس هذا التجهيل بشكل تعميمي مُزعِج يُشعرك أنه هو وحده الذي أدرك المسألة التي يتحدث عنها!
إلا أنه -وللمفارقة العجيبة- في خطبته هذه يعكس القضية بشكل غريب حيث قال ما نصه عند الدقيقة 34:46 "من قال بأن من رد حديثاً في البخاري أو مسلم فقد رد على رسول الله، ...، أقول : فهذا جاهل جهالة غليظة لأنه جهّل معظم من سنذكر، بل كل من سنذكر من العلماء الرادين لأحاديث في الصحيحين، وغير الصحيحين مما صح وهم بالعشرات" 
عجباً يا دكتور، تقول عنه جاهل جهالة غليظة لأن قوله يؤدي إلى تجهيل عشرات العلماء ممن انتقدوا أحاديث في الصحيحين! إذن بماذا تصف من يقول عن معظم أهل السنة والجماعة بأنهم يدّعون التحريف في كتاب الله كما ذكرتَ ذلك في خطبة "لا نسخ في القران" ؟ وبماذا تصف من يقول كَذَبنا على أنفسنا أربعة عشر قرناً ؟!! 

الانفصال بين الألباني وعدنان إبراهيم في الموقف من البُخاري!

أشار عدنان إبراهيم في هذه الخطبة إلى أن الألباني وافق على كلام الغماري الذي ذكر فيه "أن من أحاديث الصحيحين ما يُقطع ببطلانه" وأنه دعى إلى "عدم التهيب من الحكم عليها بالوضع". وعند التحقيق فليس كلامُ الألبانيِّ صريحاً في موافقة الغماري على كلمة (الوضع) بعينها، فإن الغماري ذكر في سياق كلامه أكثر من جملة، منها: أن الإجماع لم يقع على صحة كل ما في الصحيحين، وعبارة الألباني جاءت في ختام هذه الجُمَل، وهي تنطبق على الجملة المتعلقة بالإجماع ؛ فإن نص كلام الألباني في الموافقة هو :
 "وهذا مما لا يشك فيه كل باحث متمرس في هذا العلم، وقد كنتُ ذكرتُ نحوه في مقدمة شرح الطحاوية "انتهى.
 والذي يدل على أن موافقة الألباني لكلام الغماري ليست فيما يتعلق بالموضوعات ما يلي : 
1-  قوله : وهذا لايشك فيه (كل) باحث متمرس في هذا العلم. وهذه العبارة لا يمكن أبداً أن تنطبق على ادعاء وجود موضوعات في البخاري، ودونك أيها القارئ الكريم أيَّ باحثٍ متمرس في هذا العلم - الذي هو بالطبع علم الحديث- فسَلْه: هل يخفى عليك وجود موضوعات في صحيح البخاري؟ ثم لتنظر: هل عبارة الألباني تنطبق على الإجابة بـ"نعم" عن هذا السؤال كما فهمها عدنان إبراهيم؟ أم على عدم ثبوت الإجماع على صحة (كل) حديث في الصحيحين؟ فإن كل باحث متمرس في علم الحديث لا يخفى عليه وجود بعض الأحاديث اليسيرة المنتقدة فيهما وأنها مستثناة من الإجماع المنقول على صحة ما في الصحيحين.
2-   الألباني رحمه الله ضعّف أحاديث في الصحيحين، وقد تُتُبِّعَت هذه الأحاديث وجُمعت، ووقفتُ على رسالة مُصنّفة في جمع هذه الأحاديث وكلام الألباني عليها، وليس فيها شيء حكم عليه بالوضع وإنما بالضعف، ولن يترك رحمه الله الأحاديث الموضوعة دون بيان ليتجه إلى بيان الأحاديث الضعيفة!
3- أن الألبانيّ أحال في الكلام السابق في تعليقه على الغماري إلى مقدمة الطحاوية وعند مراجعة المقدمة لم أجد فيها أي إشارة لقضية الموضوعات في البخاري.
4- دائما تجد لُغة الألباني في نقد البخاري خفيفة ومشيرة إلى محدودية وخفة الانتقادات عليه، انظر مثلاً قوله "واعلم أن صحيح البخاري مع جلالته وتلقي العلماء له بالقبول كما سبق ذِكره في المقدمة فإنه لم يسلم من النقد من بعض العلماء وإن كان غالبه -أي غالب هذا النقد- مجانبا للصواب" مقدمة مختصر البخاري للألباني جزء2 ص4.
 وقال : "أعود إلى أحاديث هذا الصحيح (يقصد البخاري) فأقول،...، الباحث الفقيه لا يسعه إلا أن يعترف بحقيقة علمية عبر عنها الإمام الشافعي رحمه الله فيما روي عنه من قوله "أبى الله إلا أن يتم كتابه" ولذلك أنكر العلماء (بعض الكلمات) وقعت (خطأ) من أحد الرواة في (بعض) الأحاديث الصحيحة" مختصر البخاري 2/6

وكما أن الدكتور نَقَل موافقَة الألباني للغماري؛ فمن اللطيف أن يُعلَم أن الألباني رحمه الله انتقد الغماري على تضعيفه لأحاديث صحيحة، فقال في مقدمته لمختصر البخاري 9/2 "وقريب من هؤلاء بعض المشتغلين بهذا العلم، إلا أنهم لغَلَبَة التعصب المذهبي عليهم، وتمكن الأهواء منهم فإنهم في كثير من الأحيان يُضعفون الأحاديث الصحيحة، كالشيخ الكوثري، وعبدالله الغُماري، وأخيه الشيخ أحمد"
وهاهنا تنبيه مهم من الألباني يوضح الفرق بين انتقاداته على الصحيح وبين انتقادات عدنان إبراهيم، وهو تنبيه في غاية الأهمية ، وفي نظري أن جزءا كبيرا من هذا الكلام ينطبق على د.عدنان إبراهيم تماماً!
قال الألباني "وفي مقابل هؤلاء بعض الناس ممن لهم مشاركة في بعض العلوم، أو في الدعوة إلى الإسلام – ولو بمفهومهم الخاص – يتجرؤون على رد ما لا يعجبهم من الأحاديث الصحيحة وتضعيفها ولو كانت مما تلقته الأمة بالقبول، لا اعتماداً منهم على أصول هذا العلم الشريف وقواعده المعروفة عند المحدثين، أو لشبهة عرضت لهم في بعض رواتها، فإنهم لا علم لهم بذلك، ولا يقيمون لأهل المعرفة به والاختصاص وزنا، وإنما ينطلقون في ذلك من أهوائهم، أو من ثقافاتهم البعيدة عن الإيمان الصحيح القائم على الكتاب والسنة الصحيحة، تقليدا منهم للمستشرقين أعداء الدين، ومن تشبه بهم في ذلك من المستغربين أمثال أبي رية المصري ، وعز الدين بليق اللبناني .." مقدمة مختصر صحيح البخاري2/8 

 الفرق بين نقد أئمة الحديث لبعض أحاديث البخاري وبين نقد عدنان إبراهيم :

وإذا أردتُ أن أُجمل ذِكر الفروق بين انتقادات الدكتور عدنان إبراهيم وبين انتقادات المحدثين على البخاري، فسأذكرها في ثلاث نقاط: 
1-  هم ينطلقون من قواعد علم الحديث في انتقاداتهم وهو لا ينطلق منها. (مع التأكيد المتكرر على أن قواعد علم الحديث لا تقتصر على النظر في الإسناد)
2-  هم لا يقللون من قدر صحيح البخاري لا تصريحا ولا تلميحاً، وهو يقلل من قدره في مواضع من خُطبه وذلك بأسلوبه وعباراته المصاحبة لردِّهِ لبعض أحاديثهما مع أنه يُصرح بمدح الصحيحين في بعض المواضع وبأن البخاري أًصح كتاب بعد كتاب الله.
3-  هم لم يحكموا على أي حديث في صحيح البخاري بالوضع وهو حكم بذلك في أحاديث كثيرة (وبينّا المُجمل في كلام الألباني)

عدنان إبراهيم والإحالة إلى الأشباح : 

من الإشكالات الواضحة لدى الدكتور عدنان عندما يحكم على حديث بالوضع والكذب: أنه لا يذكر لنا كيف أُدخَل هذا الحديث في صحيح البخاري؟ من الذي وضعه؟
فقد ذكر في خطبته هذه تبرئة البخاري ومسلم من وضع الأحاديث ، قال: وهي مِن وَضْعِ مَن وَضَعَها ! عجَباً! نحن نريد هذا الذي وضعها. ألا يستطيع الدكتور إظهاره؟ أم استطاع هؤلاء الوضاعون تجاوز كل أسوار النُقاد والمحدثين وقواعدهم وتدقيقاتهم حتى أدخلوا أحاديث غير قليلة في أصح الكتب دون علم من أحد منهم! بل صدقوها وآمنوا بها عن غفلة وتلقت الأمة هذه الكذبة بالقبول؟ هنا أستعير عبارة الدكتور لأقول : إن القائل بهذا القول جاهل جهالة غليظة لأنه جهّل عشرات بل آلاف العلماء الذين تلقوا صحيح البخاري بالقبول وصدقوا هذه الأحاديث وشرحوها واستدلوا بها!
ولولا خشية الإطالة لذكرتُ بالتفصيل التام مثالاً تطبيقيا على هذه النقطة، غير أني سأذكره على سبيل الإجمال، وهو حديث في البخاري (حديث أبي هريرة مرفوعاً في نزول عيسى عليه السلام) قال عنه الدكتور إنه (فِرية)! وحين نبحث عمّن افترى هذه الفرية فلن نجده أبداً؛ وذلك أن البخاري روى هذه الحديث عن ثلاثة من شيوخه، وروى مسلم نفس الحديث عن اثني عشر من شيوخه، ويرويه الإمام أحمد عن اثنين من شيوخه أو أكثر، ويرويه الترمذي عن شيخه وهو أحد شيوخ البخاري ومسلم في هذا الحديث بعينه، ورواه ابن ماجه عن شيخٍ لمسلم أيضاً، وكل هذه الأسانيد مُثبتة في كتبهم، ثم بعد ذلك روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم نفس موضوع الحديث منهم في صحيح مسلم -فقط- أربعة؛ فكيف؟ ومتى؟ تم وضع هذا الحديث في البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه؟ ومن الذي قام بإدخاله في كتبهم على اختلاف بلدانهم؟ وكيف لم ينتبهوا لذلك وهم أئمة النقاد؟
كم هو سهل أن يرمي المرء الكلام جزافا، ولكنه لا يتمشى مع التدقيق العلمي.

لِفَهم منهجية علماء الحديث في انتقاد صحيح البخاري : 

أختم أسطري هذه بأهم ما فيها، وهو ما تمت الإشارة إليه سابقاً من أن انتقادات المُحدّثين المعتبرين لصحيح البخاري تُفهَم تحت المنهجية التالية :

1-  أن الأصل في كل حديث في البخاري الصحة، وأنه يكفي المعرفة بأن الحديث أخرجه البخاري ليُعمَل به.
وبما أن الدكتور عدنان استدل بالألباني في خطبته على شيء من مراده فإني أبتدئ بكلامٍ للألباني تحت هذه النقطة، حيث قال مانصه :
 " حتى صار عرفاً عاما أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة، ولا ريب في ذلك وأنه الأصل عندنا" مقدمة الطحاوية ص 22 
وقال الجُويني : " لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته = من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته ، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما " تدريب الراوي 1/142 ط. طيبة 
وقال النووي رحمه الله :
" أجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما "
تهذيب الأسماء واللغات .
2-  أن هذه المكانة لصحيح البخاري ليست لمجرد كون جامع هذا الكتاب مِن أعلم مَن خَلَقَ اللهُ تعالى بالحديث وعِلله وفقهه، ولكن لأن الأئمةَ من أهلِ الاختصاص بالحديث وغيرهم من الفقهاء والمفسرين تلقوا كتابه هذا بالقبول لما فيه. 
3-  أن انتقاد شيء من الصحيح لا بد ألاّ يكون معارضا لقواعد علم الحديث التي هي المعيار في معرفة الصحيح من الضعيف، وليس خفياً على أهل الاختصاص -كما تقدم- أن علم الحديث يهتم بنقد المتن كما يهتم بنقد السند.
4- أن الأحاديث التي انتُقدت على صحيح البخاري عددها قليل جداً بالنسبة لأحاديث الكتاب.
 5-  ليس في صحيح البخاري - جزْماً وقطعاً- أيَ حديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
.6-  أن من استبان له من أهل العلم ضعفَ إسناد أو رواية معينة أو متنٍ أو زيادةِ كلمةٍ فيها حُكمٌ أو نحو ذلك من صحيح البخاري، وكان حكمه مبنياً على علم ودراية وعقيدةٍ صحيحة غيرَ ضاربٍ بقواعد علم الحديث عرض الحائط = فإنَّ عدَمَ أخْذِه بما استبان له ضعفه لا يكون مِن باب رد سنة النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من باب الخلاف المُعتبَر.
7-  أن العلماء الذين نُقِل عنهم أنهم انتقدوا شيئا من صحيح البخاري ليس كل انتقادهم منصبا على المتون أو يعود عليها بالضعف، فإن بعض الانتقادات موجه إلى إسناد معين من أسانيد حديثٍ له أكثر من إسناد بعضها صحيح وبعضها فيه كلام.
وبعضُ الأحيان يكون الانتقاد موجها على جزء من الحديث وليس على أصله.
 8- ليس بالضرورة أن يكون كلام من انتقد شيئا من الصحيح صحيحاً، وكما أنه يوجد من أهل العلم من انتقد البخاري، فإن من أهل العلم من أجاب عن هذه الانتقادات وبين أن الصواب في جمهورها مع البخاري، قال ابن تيمية في الفتاوى "ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صحّحه، يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه "مجموع الفتاوى" (1/256) " .

9- لا يجوز أن يكون التضعيف لأحاديث البخاري مبنيا على اعتقاد يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة، كمن رد أحاديث الرؤية أو الشفاعة أو الصفات بناء على اعتقادات باطلة تتعارض مع هذه الأحاديث، كما أنه لا يجوز أن يكون مُنطَلَق التضعيف والرد لشيء من البخاري مجرد مقاومة هجوم تشكيكي من أعداء الإسلام تعود على خبر ثابت عن النبي بالإبطال. كما حصل مِن رد حديث زواج النبي من عائشة وهي ابنة تسع.
10- استشكال المرء حديثاً لا يكفي للمبادرة بردّه، بل لا بد من النظر في موقف أهل العلم من هذا الحديث وتعاملهم معه، فإن كثيرا من هذه الاستشكالات ليست تخفى عليهم، وأجابوا عنها، ثم إن هناك قبل الرد التوقف، وإرجاء القطع بشيء في الحديث حتى يعيد العالِم المستتشكلُ النظرَ فيما استشكل ويزيد، فإن للصحيح هيبة كما قال الذهبي رحمه الله في ترجمة خالد بن مخلد القطواني في ميزان الاعتدال (1/592)  بعد أن ذكر حديثاً رواه خالد هذا في صحيح البخاري :"هذا حديث غريب جداً، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدُّوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد" ط.الرسالة
وقال الألباني في السلسلة الصحيحة  5/326:  " فإن تخطئة الإمام البخاري أو أحد رواته الثقات ليس بالأمر الهيّن"


وبقي في الخطبة مواضع التي تستحق الإلتفات، لعل ما ذُكر هنا يكون دليلاً على ما غاب ذكره، والحمد لله رب العالمين .

29 - 7 - 1434 ه
أحمد بن يوسف السيد
@alsayed_ahmad